أما القضية الثانية فمترتبة على سيادة الشرع وهي عدم جواز تغيير الأحكام الشرعية لا من قبل الأمة ولا من قبل الدولة. فالدولة في الإسلام تهدف إلى إقامة الشرع المتمثل في «حراسة الدين» التي أشار إليها الفقهاء [1] . ولذلك وجب عليها الالتزام بأحكام الإسلام في كافة الأمور.
ولتأكيد سيادة الشرع وما يترتب عليها من أحكام, سنمهد للبحث بنظرية السيادة في الفكر الغربي لبيان تناقضها مع النظرية الإسلامية في السيادة التي تؤكد سيادة الشرع وترتب على ذلك عدم جواز تغيير الأحكام الشرعية, كما سنبين الرد على عدد من الشبهات التي يرى المنادون بها تغيير الأحكام الشرعية مسايرة للمصلحة والواقع الاجتماعي.
ومع تقرير سيادة الشرع وعدم تغيير الأحكام يستعرض البحث الحالات التي أذن الشرع للدولة بالتدخل فيها بالمنع والإلزام لتنظيم المباحات. ويبرهن البحث على أن هذه الحالات تقتصر على دفع الضرر ومنع ما يوصل إلى المحرم, وتنظيم أجهزة الدولة, والملكية العامة والمرافق العامة, وإقامة فروض الكفاية المنوطة بالدولة مع التأكيد على أن ذلك لا يعد تغييرًا لأحكام الشرع وإنما يعد في حقيقة الأمر تطبيقًا لأحكام شرعية قائمة بذاتها لمعالجة هذه الحالات في المجتمع الإسلامي.
اختلف المفكرون الفرنسيون في تعريف السيادة, فقد ذهب العميد دوجي, كما أشار د متولي، إلى الربط بين السيادة والسلطة العليا. وقد تبنى متولي هذا الرأي حيث أشار إلى أن السيادة هي السلطة العليا التي لا نعرف فيما تنظم من علاقات سلطة عليا أخرى إلى جانبها [2] هذا في حين أشار الأستاذ كاريه دي ملبرج إلى أن السيادة تعد «خاصية من خصائص السلطة السياسية» [3] .
وقد أكد د. فتحي عبدالكريم أن:
التعريف الذي يرى في السيادة خاصية من خصائص السلطة إنما يصلح فقط في المرحلة الأولى من مراحل تطورها حيث كانت السيادة تفهم ليس كسلطة سياسية ولكن كخاصية لسلطة سياسية
(1) راجع أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي, الأحكام السلطانية والولايات الدينية, بيروت, دار الكتب العلمية, 1405 - 1985 م, ص 5.
(2) الدكتور عبدالحميد متولي, القانون الدستوري والأنظمة السياسية, الجزء الأول, القاهرة, دار المعارف, 1964, ص 29 ..
(3) نقلًا عن د فتحي عبدالكريم, الدولة والسيادة في الفقه الإسلامي, دراسة مقارنة, القاهرة, مكتبة وهبة, 1977, ص 72.