جواز مخالفة الشرع, فالشرع مهيمن على الاجتهاد [1] . فالواجب إرجاع الحكم في الأمور المختلف فيها إلى الكتاب والسنة مصداقا لقول الله تعالى {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ذلك خير وأَحْسَنُ تأويلا} [2] وقوله تعالى: {وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [3] أضف إلى ذلك, أن القول بتجزئة السيادة وقيام سيادة شعبية مستقلة محدودة يدل على نقصان الشريعة وأن سيادة الشعب تكمل ذلك النقص. ومن الواضح أن ذلك يخالف الشرع قطعًا لمناقضته لصريح القرآن والذي نص على اكتمال الدين, يقول الله عز وجل {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [4] . كذلك فإن القول بأن الأمة:
لها سيادة, وأن هذه السيادة مرتبطة بنظام محكم وقواعد محددة يتعارض مع مفهوم السيادة أصلًا ويؤدي إلى التناقض لأن مفهوم السيادة يعني أنها سلطة لا تحد إرادتها إرادة أخرى ولا تشاركها سلطانها النهائي أي سلطة غير سلطتها الذاتية وهو غير مسلم به في الفقه إسلامي [5] .
يؤكد البحث مبدأ سيادة الشرع مستندًا على أصل مقطوع به مجمع عليه في الشريعة وهو وجوب اتباع ما جاء به الوحي من كتاب وسنة وأن الكتاب والسنة حاكمان في كل أمر مختلف فيه. وبذلك يتقرر بطلان القول «بسيادة الأمة» المطلقة أو المقيدة أو القول بنظرية «السيادة الشعبية» .
لقد أكدت تعاليم الإسلام أن السيادة للشرع وليست للشعب الذي يمتلك فقط السلطان المتمثل في تولية الإمام, ومراقبته, ومحاسبته, وعزله, «فالدولة لا تستمد سلطة التشريع من الأمة, لأنها لا تملكها أصلا, ومن لا يملك شيئًا, فليس بوسعه أن يملكه غيره بداهة» [6] , ولذلك فالفقه السياسي الإسلامي لم يتناول مشكلة السيادة أو الشرعية السياسية كما تناولها فقهاء السياسة الغربيون, لأن السيادة في النظرية السياسية الإسلامية للشرع. وقد أقرت الممارسة السياسية هذا المبدأ لفترة طويلة ولم يبدأ النظر في أصل السيادة ومنشئها إلا بعد أن تزعزعت معالم الخلافة الإسلامية [7] .
(1) د. النادي, مرجع سابق, ص 419 - 420.
(2) سورة النساء, آية 59.
(3) سورة الشورى, آية 10.
(4) سورة المائدة, آية 3.
(5) د. النادي, مرجع سابق, ص 410 - 411.
(6) د. فتحي الدريني, خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم, بيروت, مؤسسة الرسالة, 1402 - 1982, ص 43.
(7) المرجع السابق, ص 185.