الصفحة 22 من 52

ولكل فرد من أفراد الرعية طلب التقاضي لكل ما قد يطرأ من اختلاف إلى حكم الشرع ويصبح قبول ذلك الحكم أمرًا لا مناص لأحد في عدم الأخذ به أو عدم قبوله.

ولذلك يظهر التناقض واضحًا بين مفهوم سيادة الشرع ونظرية الحق الإلهي المباشر وغير المباشر. قد ادعى د. متولي أن مفهوم سيادة الشرع والحاكمية لله يتفق ونظرية الحق الإلهي غير المباشر حيث يعد «وسطًا بين نظرية سيادة الأمة ... ونظرية الحق الإلهي المباشر ... ولذلك رأينا الأوفق أن يطلق على هذه النظرية نظرية الحق الإلهي غير المباشرة» [1] . والحقيقة أن مفهوم سيادة الشرع لا يمنح ولا يفوض الحكام أو الأمة أي سيادة أصلًا, كما ترى نظرية الحق الإلهي المباشر وغير المباشر. وجعل السلطان للأمة بالاستخلاف ثم للحكام بالبيعة ليس منحًا للسيادة من الله لهم بل هو تكليف للأمة والحكام لأداء الفرائض التي شرعها لله تعالى كما سبق بيانه, فضلًا أن الحكام ليس لهم قداسة أو عصمة مطلقًا وهم مقيدون بالحدود التي رسمها الشارع في ذلك, ولا يسعهم الخروج عليها مطلقًا حتى لو وافقتهم الأمة وسيارتهم عليه. كما أن شرعيتهم لا تستمد من رضا الأمة بهم فقط كما في نظرية الحق غير المباشر, بل ترجع أساسًا إلى مدى التزامهم بالأحكام والعقائد الشرعية ورضا الأمة تابع في ذلك.

أضف إلى ذلك, أن نظرية الحق الإلهي مع توكيدها أن مصدر السيادة إلهي تنزع من ذلك المصدر كل حق لممارسة هذه السيادة وتفوضها إما للحكام مباشرة في نظرية الحق المباشر أو للأمة ثم للحكام في نظرية الحق غير المباشر. هذا في حين يؤكد مفهوم سيادة الشرع حصر مصدر السيادة لله تعالى ولا يجعل لمخلوق سيادة أصلا ًولا يقر مفهوم تفويض السيادة لأحد مطلقًا. وما جعله الله عز وجل من سلطان للأمة بالاستخلاف وللإمام بالبيعة ليس تفويضًا ولا منحًا للسيادة بحال من الأحوال بل هو تكليف وابتلاء للقيام بواجبات الدين وأحكامه.

وجامع القول هو أن سيادة الشرع تؤكد على «أن الشريعة الإسلامية هي الدستور الأساسي للمسلمين, فكل ما يوافق هذا الدستور صحيح وكل ما يخالفه باطل مهما تغيرت الأزمان وتطورت الآراء في التشريع» [2] , وأن «شرعية السلطة» تستمد من سيادة الشرع, حيث تقاس شرعية الدولة بمدى التزامها بأحكام الإسلام, فقاعدة الشرعية تبنى على التقيد بتنفيذ أوامر الله واجتناب نواهيه [3] .

وتؤدي سيادة هذه المشروعية ... إلى أن تصير أوامر الله ونواهيه - أي نصوص القرآن والسنة وما جرى مجراها من مصادر الشريعة الإسلامية من طرق الاجتهاد - أساسا للمشروعية ومعيارًا للحق

(1) د. متولي, مبادئ نظام الحكم في الإسلام, مرجع سابق, ص 167 - 168.

(2) عبدالقادر عودة, الإسلام وأوضاعنا القانونية, بيروت, مؤسسة الرسالة, 1399 هـ - 1979, ص 62.

(3) الدكتور مصطفى كمال وصفي, مصنفة النظم الإسلامية, القاهرة, مكتبة وهبة, 1397 هـ - 1977 م, ص 158.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت