والحكومات, وخلافًا للنظرية الثيوقراطية التي تسند مصدر السيادة إلى أسس إلهية, فقد حصر جان بودان وثوماس هوبز السيادة في «الحكام والأباطرة» حيث أكد بودان, في معرض تحليله للسيادة, أن السلطة العليا سلطة دائمة, وغير قابلة للتفويض, ومطلقة لا تخضع للقانون. لأن الحاكم «صاحب هذه السلطة, هو الذي يضع القانون ولا يمكن أن يقيد نفسه, كما لا يمكن أن يكون مسئولًا مسئولية قانونية أمام أحد» [1] .
وقد نحى هوبز نفس المنحى في معرض تحليله للعقد الاجتماعي حيث ذهب إلى أن سلطة الحاكم مطلقة, وذلك لأن الأفراد تنازلوا عن حقوقهم للحاكم مقابل حمايته لهم وهو مضمون العقد الاجتماعي. ولذلك يرى هوبز «أن الحاكم غير مقيد بأي قانون لأنه هو الذي يضعه ويعدله ويلغيه حسب هواه, وهو الذي يحدد معنى العدالة» [2] . ولذلك فمفهوم السيادة لدى هوبز إنما يعني وجود:
سلطة عليا متميزة وسامية, ليست في القمة بل فوق القمة, فوق كل الشعب وتحكم من مكانها ذاك المجتمع السياسي كله. ولهذا السبب فإن هذه السلطة تكون مطلقة وبالتالي غير محدودة لا في مداها ولا في مدتها, وبدون مسئولية أمام أي إنسان على الأرض [3] .
أما جان جاك روسو, أحد أبرز مفكري العقد الاجتماعي, فقد جعل السيادة «للإرادة العامة» , وهي الفكرة التي مثلت إرهاصًا لربط السيادة بالأمة على يد أرباب الثورة الفرنسية ودعاة الحرية الإنسانية وقد جعل روسو العقد الاجتماعي أساس سيادة الأمة وأكد أن «العقد الاجتماعي يعطي المجتمع السياسي سلطة مطلقة على كل أعضائه» حيث تتولى الإرادة العامة السلطة المطلقة, أي السيادة. «والسيادة التي ليست سوى ممارسة الإرادة العامة لا يمكن أبدًا التصرف فيها, وصاحب السيادة الذي هو كائن جماعي لا يمكن لأحد أن يمثله أو ينوب عنه سوى نفسه» كما أن «السلطة العليا لا يمكن تقييدها, ذلك أن تقييد السلطة العليا معناه تحطيمها» [4] , ثم اعتنقت الثورة الفرنسية هذا المبدأ من منطلق رفض الاستبداد الفردي وتحكم الأباطرة والملوك في الأمة, ومنذ ذلك الوقت والمفكرون يربطون بين السيادة ومجموع الأفراد وأصبحت السيادة تعود إلى الأمة وتحطمت بالتالي نظرية السيادة الملكية [5] .
(1) د. فتحي عبدالكريم, مرجع سابق, ص 86 - 87.
(2) نقلت عن المرجع السابق, ص 92.
(3) جاك ماريتان, فكرة السيادة, المجلة الدولية للتاريخ السياسي والدستوري ص 13. نقلت عن المرجع السابق ص 93.
(4) المرجع السابق, ص 94.
(5) اندريه هوريو, القانون الدستوري والمؤسسات السياسية, نقله إلى العربية علي مقلد وآخرون, الجزء الأول, بيروت, الأهلية للنشر والتوزيع, 1974, ص 314.