عن عدم إدراك واقع التشريع في الدولة الإسلامية والذي يتحدد في أن ما كان قانونًا تشريعيًا من حيث الحكم بالإباحة أو الوجوب أو التحريم أو غير ذلك فإنه لا يجوز بحال أخذه إلا من النصوص الشرعية, والإمام إنما يسن هذه القوانين الشرعية تبنيًا لا ابتداءً حيث يجب عليه استنباطها من الأدلة الشرعية إن كان مجتهدًا أو أخذها بالتقليد لأحد الفقهاء المجتهدين, وهذا التبني يكون بحسب أصول الفقه الشرعي فإن ظهر اختلاف في فهم الأدلة أو استنباطها من قبل أهل الحل والعقد ظهرت مذاهب فقهية شرعية مختلفة فإن ذلك كله دائر مع أحكام الشريعة وليس فيه تغيير لأحكام الشريعة أو تبديلها وإنما واقعه تفاوت العقول في فهم الأدلة الشرعية وهو ما يجيزه الإسلام. وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم قوله «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران, وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر» [1] لكون اجتهاده إنما هو في استنباط الحكم من الدليل الشرعي, والحاكم إنما يتبنى ما ثبت لديه دليله, وليس في هذا تغيير للأحكام وإنما هو اتباع للحكم الشرعي الراجح له. ولهذا وجد في بعض المذاهب الفقهية قولان, فللإمام الشافعي مثلا أقوال واجتهادات فقهية بعد رحيله إلى مصر تختلف عن اجتهاداته حين كان في بغداد وليس في ذلك تغير للحكم بحسب البيئة والمصلحة وإنما هو لظهور أدلة شرعية جديدة من الأحاديث والسنة في مصر لم تكن معلومة لديه من قبل وهكذا فإن إقرار عمر رضي الله عنه الطلاق ثلاثا إنما هو ترك لحكم شرعي لضعف دليله لديه اتباعا للحكم الشرعي الراجح في فهمه ولا علاقة لذلك بتغير الأحكام للبيئة أو لحق الإمام في تبني الأحكام.
كما أن تبني الإمام قوانينًا إجرائية أو حكما تنفيذيا معينا إنما هو اتباع للدليل الشرعي الذي يجيز للإمام سن قوانين إجرائية لاختيار الأساليب والوسائل التي تنفذ بها الأحكام الشرعية. فمثلا جعل الشارع الإمام مسئولا عن مرافق المسلمين وتنظيمها نحو الاشتراك في مجرى السيل أو الطرقات حيث ثبت بالسنة تنظيم النبي عليه الصلاة والسلام لذلك وجعل الشارع مثلا اختيار العقوبات التعزيرية متروكا لاجتهاد الإمام فله أن يعاقب في جرائم التعزير بما يراه محققا للزجر عن الجريمة وبما يناسب حال مرتكبها أو أسلوبا معينا كأن يضع نظاما للمرور أو تقنينا لاشتراك المسلمين في الاستفادة من المرافق العامة كماء الأنهار أو السيول أو أن يختار عقوبة تعزيرية معينة لعقاب المرتكب لجريمة من جرائم التعزير في حال ما ويختار عقوبة أخرى لمرتكبها في ظرف آخر فإن هذا لا علاقة له بتغيير الأحكام الشرعية وإنما هو اختيار أسلوب أو وسيلة معينة من بين عدد من الوسائل والأساليب التي أباح الشارع للإمام الأخذ بأحدها لتنفيذ الحكم الشرعي بحقه. ولهذا ليس في تبني الحاكم للأحكام الشرعية أو للتنظيمات الإجرائية أو اختيار عقاب تعزير معين تغيير وتبديل للأحكام الشرعية مطلقا.
(1) رواه أحمد في مسنده, صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير, مرجع سابق, حديث رقم 493, ص 147.