القانون الوضعي المعاصرين, تحت ضغط الواقع الحالي والذي تسوده نظم الحياة الغربية, أوردوا عددًا من الشبهات بهدف تبرير تغيير الأحكام الشرعية وتعطيلها أو إقرار ما يخالفها من قبل الدولة.
ومن هذه العوارض أن بعض الفقهاء خفي عليهم أن الحكم الشرعي يرتبط بعلته عدمًا ووجودًا فإذا وجدت العلة وجد الحكم وإلا فلا, كذلك فإن الشرع جاء بخطاب الوضع في تحديد شروط وأسباب وموانع للأحكام الشرعية, ومتى عدم الشرط عدم الحكم فمثلًا شرط الشارع لإقامة حد السرقة عدم مجاوزة النصاب في المال المسروق, ولذلك ورد في الصحيحين بأنه لا قطع ليد من سرق أقل من ربع دينار [1] , وليس في ذلك تغيير لحكم السرقة بل هو إنفاذ الحكم بحسب شروطه الشرعية. ومن ذلك ما ذكر الفقهاء من نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن حمل المصحف إلى دار العدو [2] فإن العلة محددة بوصف دار معينة بالعداوة فإن ظهرت العداوة التي توجب انتهاك العدو لحرمة المصحف فيحرم حمله, أما إذا انتفت العداوة فيتغير واقع الحكم. وليس في ذلك تغيير للحكم الشرعي في المسألة حيث أن حكم الشرع باق وهو أن دار العدو لا يحمل إليها مصحف, أما الدار التي لا توصف بدار العداوة فيبحث لها عن حكم آخر.
كذلك خفي على البعض أن الحكم يعالج واقعًا معينًا وهو ما يسمى بمناط الحكم فإذا اختلف الواقع اختلف الحكم ومثال ذلك أن الخمر محرمة, فإذا انقلبت إلى خل فقد تغير واقعها وبالتالي يكون الحكم إباحة الخل, وليس في ذلك تغيير لحكم الخمر مطلقًا, وكمثال آخر جاءت الشريعة بحكم للغنيمة وتوزيعها حسب كون المقاتل فارسًا أو راجلًا, وميزت سهم كل منهما فإذا تغير هذا الواقع ولم يعد هناك قتال بالخيل أو مواجهة للراجلين يكون هناك حكمًا آخر لهذا الواقع, وتكون الغنيمة منوطة باجتهاد الإمام وفق ما جاء به الكتاب {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} وليس في ذلك تغيير للحكم الأول وإنما هو حكم جديد لواقع آخر.
كما خفي على بعض الفقهاء المعاصرين أيضًا, واقع سن القواعد الشرعية في الدولة الإسلامية حيث وجدوا أن الشريعة تجيز للحاكم تبني أحكام شرعية معينة تطبقها الدولة في أجهزتها ومحاكمها نحو تنبي أبي بكر إيقاع الطلاق ثلاثًا بلفظ واحد طلاقًا رجعيًا, بينما تبنى عمر الطلاق ثلاثًا بائنًا وظنوا أن إجازة الشارع للإمام وضع التقنيات الشرعية, تغيير للأحكام الشرعية. كما استدلوا من إجازة الشريعة للإمام وضع قوانين إجرائية لتنفيذ الأحكام الشرعية نحو سن عمر رضي الله عنه نظامًا للديوان لإحصاء أهل العطاء ومقادير أعطياتهم, على أن للإمام تغيير الأحكام الشرعية أو تبديلها. ولقد نجم هذا الخطأ
(1) فتح الباري, جزء 12, ص 96 وصحيح مسلم بشرح النووي, جزء 11, ص 180 - 181.
(2) راجع ابن قدامة المقدسي, المغني, الجزء الثامن, الرياض, مكتبة الرياض الحديثة, 1401 هـ - 1981, ص 536.