الصفحة 30 من 52

ومما سبق يظهر أن عدم الإلمام الشامل بالقواعد الأصولية الفقهية في استنباط أحكام الشريعة, هو سبب ظهور هذه العوارض السابقة لدى عدد من الفقهاء الذين استشهدوا بأمثلة مما ذكر لإثبات القول بجواز تغير الأحكام الشريعة.

ولقد طرح بعض شراح القانون الوضعي, أيضا عددا من الشبهات مسايرة للواقع السياسي المعاصر ولأحكام الغرب الوضعية.

ومن هذه الشبهات, ما ذكره د. عبدالحميد متولي ومن سار على منواله من علماء القانون الدستوري من أن معظم أحكام الشريعة الثابتة بالسنة ليست دائمة وعامة وبالتالي لا تلزم الأمة في جميع العصور. ولذلك يقرر أن «السنة التي لا تعد في الشئون الدستورية أو غيرها تشريعًا عاما هي تلك التي وردت في التفصيلات أو الجزئيات أو التنظيمات أو التطبيقات لمبدأ معين أو لقاعدة كلية» ثم يتوصل من ذلك إلى أن «سن الأحكام في الشئون الدستورية لا يعد تشريعا عاما» أي لا تلزم الأمة في كل زمان [1] .

ويمكن الرد على هذه الشبهة بالرجوع إلى أصول الفقه الإسلامي والذي أوضح علماؤه أن الأصل في السنة الاتباع لقوله عز وجل {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [2] , أما ما يستثني من أفعال الرسول عليه السلام وأقواله ولا يعد تشريعا كما يقول الشيخ عبدالوهاب خلاف فهو:

ما صدر عنه بمقتضى الخبرة الإنسانية. من إنجاز أو تنظيم جيش أو تدبير حربي ... (وكان) صادرا عن خبرته الدنيوية وتقديره الشخصي, وما صدر عن رسول الله ودل الدليل الشرعي على أنه خاص به ... كتزوجه بأكثر من أربع .. وأما ما صدر من أقوال وأفعال بوصف أنه رسول ومقصود به التشريع .. فهو حجة على المسلمين وقانون يجب اتباعه [3] .

فالأصل إذن أن السنة تشريع دائم سواء أكانت في الأحكام الدستورية, أم كانت في الأحكام القضائية أو المدنية أو الجنائية أو غير ذلك, ولا يستثني منها إلا ما قام دليل على استثنائه نحو ما كان صادرا عن خبرة دنيوية أو كان تقديرا شخصيا أو كان من خصوصياته ولهذا يقول الشافعي:

بيَّن الله أنه فرض ... طاعة رسوله ولم يجعل لأحد من خلقه عذرا بخلاف أمر رسول الله, وأن قد جعل الله بالناس كلهم الحاجة إليه في دينهم وأقام عليهم حجته بما دلهم عليه من سنة رسول الله [4] .

(1) عبدالحميد متولي, مبادئ نظام الحكم, مرجع سابق, ص 41 - 43.

(2) سورة آل عمران, آية 31.

(3) عبدالوهاب خلاف, علم أصول الفقه, مرجع سابق, ص 44.

(4) الشافعي, الرسالة, مرجع سابق, ص 104.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت