الصفحة 55 من 59

فإذا لم يجد المجتهد دليلًا بعد البحث الشديد بقدر الطاقة استصحب الأصل وهو براءة الذّمّة وعدم اشتغالها بشيء.

أما قبل الاجتهاد والبحث والتأمل والطلب والتفتيش فاستصحاب الحال غير معتبر.

مثاله: كأن يبحث المجتهد عن دليل يدل على وجوب صوم رجب فلا يجده، فيقول: لا يجب صوم رجب باستصحاب الحال، أي لعدم الدليل على وجوب صيامه.

وهذا النوع حجة جزمًا.

ولذلك لا يرى الجمهور وجوب الزكاة في عشرين دينارًا ناقصة الميزان عن نصاب الزكاة المحدد بالنص الشرعي وإن كانت تروج رواج الكاملة ويرغب فيها بنفس قيمة العشرين الكاملة الوزن.

وحجة الجمهور على ذلك هي: الاستصحاب، لعدم وجوب الزكاة فيها في عهده صلى الله عليه وسلّم.

والمعنى الثاني: وهو الاستصحاب المشهور على ألسنة الفقهاء ويعنون به: ثبوت أمر في الزمن الثاني لثبوته في الزمن الأول.

فما ثبت له حكم الوجوب مثلًا لا يتغير عن هذا حكم الوجوب إلى غيره إلا بورود دليل شرعي يغيره، وطالما لم يوجد هذا الدليل على التغيير فهو باق على حكمه الأول.

وكلّ دليل يسمّى بذلك:

فالنّصّ يسمّى بذلك حتى يرد الناسخ.

والنفي يسمى بذلك حتى يرد المثبت.

وهكذا.

مثاله: من تيقن وضوءه فلا يرتفع بالشك في انتقاضه حتى يعلم الانتقاض.

والذمة مشغولة بفرائض الله وما عليها من ديون العباد حتى يثبت العكس.

والخلاصة أن استصحاب الحال دليل من أدلة الأصوليين، ويعني استمرار حكم الأصل؛ فإن كان الأصل براءة الذمة وعدم مطالبتها بفعل شيء أو تركه فلا يصر إلى عكس ذلك إلا بدليل وهذا هو النوع الأول، وإن كانت الذمة مشغولة بتكليف ما فلا يرفع عنها ولا يبدّل إلى غيره إلا بدليل آخر وهذا هو النوع الثاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت