جميعًا، فهم بمباشرتهم هذا الاختيار لا يمثلون أنفسهم فقط، بل يمثلون الأمة كلها، ولهذا فإنه عند مبايعة أهل الحل والعقد للإمام تجب مبايعته والانقياد له على سائر أفراد الأمة.
ومشروعية اعتبارها ورد به القرآن والسنة-إضافة إلى ما ورد من فعل الصحابة-:
فمن القرآن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} . وهم العلماء والولاة.
ومنها قوله تعالى: { ... وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} الآية.
أما من السنة فلقوله صلى الله عليه وسلم: «أخرجوا لي منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم» . وذلك للأنصار في بيعة العقبة الثانية.
فالمشورة تكون لـ (أهل الحَلِّ والعَقْد والشوكة من العلماء والوجهاء، والقادة وأهل الرأي والمشورة، القادِرين على عَقْد الأمور وحَلِّها، الذين يكون الناسُ - من أهل الدِّين والدنيا - تبعًا لهم، وليس أهلُ الحَل والعَقد مجموعةً من الناس تختارهم جماعةٌ من جماعات المسلمين، جهاديَّة كانت أو غير جهاديَّة، ثم يُطلقون عليهم مسمَّى(أهل الحَل والعَقد) ، ثم يُقال لهم: هل تُبايعون فلانًا خليفةً على المسلمين؟ فيقولون: نعم! فليس كلُّ من أُطلق عليهم مسمَّى أهل الحَلِّ والعَقد يكونون فِعلًا أهلَ حَلٍّ وعَقد؛ فالأسماء لا تُغيِّر من حقيقة المسمَّيات شيئًا؛ جاء في صحيح البخاريِّ عن عُمرَ رضي الله عنه أنَّه قال: (مَن بايع رجلًا عن غير مشورةٍ من المسلمين، فلا يُبايَع هو ولا الذي بايَعَه؛ تغِرَّةَ أن يُقتلَا) ، أيْ: حذرًا أن يُقتلَا.
قال الحافظ ابنُ حجر رحمه الله في [الفتح] (12/ 150) : (فيه إشارةٌ إلى التحذير من المسارعة إلى مِثل ذلك، حيث لا يكون هناك مثلُ أبي بكر؛ لِمَا اجتمع فيه من الصِّفات المحمودة، من قِيامه في أمْر الله، ولِينِ جانبه للمسلمين، وحُسنِ خُلُقه، ومعرفتِه بالسِّياسة، وورعِه التامِّ، ممَّن لا يوجد فيه مثلُ صِفاته، لا يُؤمَنُ مِن مبايعته عن غيرِ مشورةٍ الاختلافُ الذي يَنشأ عنه الشَّرُّ) .