(فعُلِمَ أن من آذى النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الكلام جاز قتله لذلك مع القدرة، وإنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتله لما خيف في قتله من نفور الناس عن الإسلام لما كان ضعيفًا) ا. هـ
قلت: فعلى ذلك يكون ما يستدلُّ به هذا المردود عليه هو من قبيل المتشابه، ولا يُسَلَّم له به، فإنه يستحيل أن يتعارض حديثان صحيحان في نفس الأمر، ولا يُعلم -مع ذلك- الجمعُ بينهما، بل هذا لا يكون إلا في ذهن الناظر أو الفقيه، ولا يكون في الخارج كذلك، والمتأمِّل في حديث علي -رضي الله عنه- لا يجد ثمّة تعارضٌ بينه وبين باقي الأحاديث التي في نفس الباب من جنس واحد، مثل حديث (لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) ، وذلك أن قوله -عليه الصلاة والسلام- لخالد حين استأذن في قتله، فقال له: (لا لعله أن يكون يصلي) ، يريد بذلك عليه الصلاة والسلام أن هذا المشار إليه إن كان من المصلّين فهو في ظاهره يكون في نظر الناس من أصحابه فإذا قتله كان في ذلك نفور عن الإسلام، ويصير يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه، وفي هذا مفاسد عظيمة -كما هو معلوم-، منها نفور الناس عن الإسلام، ومنها أنه يكون في ذلك حجة للمنافقين في تنفير المسلمين عن الإسلام وتشكيكهم في عقائدهم، ومنها وقوع الخلاف والشقاق في صفوف المسلمين، لا سيّما إن كان هذا المعترض على حُكم النبي -عليه السلام- أو المؤذي له سيّدًا في قومه، وهذا مثل ابن أبي بن سلول زعيم المنافقين فقد كان سيدًا في قومه، ووقع منه إذاية للنبي -عليه الصلاة والسلام- ومع هذا كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يعفو عنه لأجل ذلك كما ذكر هذا غير واحد من أهل العلم، ... ، إلى غير ذلك من المفاسد المترتبة على قتل أمثال هؤلاء، وما نحن فيه من حديث الباب هو من هذا الجنس، فتعذر النبي عليه الصلاة والسلام من قتله لأجل ذلك فقال: (لعله أن يكون يصلي) ، دليل ذلك أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يتتبع أخباره في أنه من المصلين أم لا، فلما لم يفعل ذلك ولا وقع هذا منه لا في هذا الحديث ولا في غيره، دلّ ذلك على ما أردناه، وإلا لو أراد ذلك لسعى في إباحة دمه كما سعى في إباحة دم غيره حين قوي الإسلام، وصار له شوكة ومنعة، كحثِّه -عليه الصلاة والسلام- الصحابة على قتل كعب بن الأشرف بقوله: من لكعب بن الأشرف فإنه آذى الله ورسوله، وأمثاله مثل ابن أبي الحقيق وغيرهما من الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال القاضي عياض -رحمه الله- في كتابه (الشفا) (2/ 229 - 230) محرِّرًا ذلك بمثل ما ذكرناه، فقال:
(فإن قلت: فلِمَ لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديَّ الذي قال له: السَّام عليكم، وهذا دعاء عليه، ولا قتل الآخر الذي قال له: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، وقد تأذى النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك؛ وقال: قد أوذيَ موسى بأكثر من هذا فصبر؛ ولا قتل المنافقين الذين كانوا يؤذونه في أكثر الأحيان.