فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 132

يستحلّه)، وقد صاح أبو جعفر على نفسه بهذا الكلام بأنه مرجىء في هذا الباب، -أيضًا- وهذا مثل قوله الآخر حيث حكى ما نصه: (ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه) ، ولعل المردود عليه اغتر بكلام هذا الإمام، كما اغتر به غيره من المعاصرين، وهذا خطأ، والرد عليه هو بما أسلفناه سابقًا من الجواب عن الأمر الأول، وذلك من بيان الفرق -مثلًا- بين ترك الفرائض، وارتكاب المحارم، وأنهما ليسا بسواء، ولذلك عاب الناس على أبي جعفر الطحاوي -رحمه الله- كلامه هذا، ثم إن هذه العبارة: (لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحلُّه) صحيحة بالجملة، لكن إطلاقها هكذا من غير تفصيل خطأٌ ظاهر، ولذلك كان يتحاشى كثير من الأئمة إطلاقها ٌ، حتى لا يظن السامع أن مثل ذلك يشمل- أيضًا- ترك الفرائض وغيرها من نواقض الإسلام، فإنهم كانوا قصدوا بهذه العبارة الرد على الخوارج المكفرين بالذنوب والمعاصي مثل الزنى والشرب وأكل الربا والسرقة وغير ذلك من المحارم، ولهذا كان يقول الإمام شيخ الإسلام -رحمه الله- كما في (فتاويه) (7/ 302) :

(ونحن إذا قلنا: أهل السنة متفقون على أنه لا يُكفَّر بالذنب، فإنما نريد به المعاصي كالزنا والشرب، وأما هذه المباني ففي تكفير تاركها نزاع مشهور) ا. هـ

وقال كما في المصدر السابق (20/ 90) ما نصه:

(إنه قد تقرر من مذهب أهل السنة والجماعة ما دلّ عليه الكتاب والسنة أنهم لا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بذنب ولا يخرجونه من الإسلام بعمل، إذا كان فعلًا منهيًا عنه، مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر ما لم يتضمن ترك الإيمان) ا. هـ

وقال كما في المصدر نفسه (12/ 474) ما نصه:

(ولهذا قال علماء السنة في وصفهم(اعتقاد أهل السنة والجماعة) أنهم لا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بذنب، إشارة إلى بدعة الخوارج المكفرة بمطلق الذنوب) ا. هـ

قلت: ولذلك قال الإمام ابن أبي العز -رحمه الله- عند عبارة الطحاوي هذه، كما في (شرحه) ما نصه:

(ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنا لا نكفر أحدًا بذنب، بل يُقال: لا نكفِّرهم بكل ذنب، كما تفعله الخوارج) ا. هـ

قلت: فَعُلِمَ من ذلك أن قيد الاستحلال، إنما هو في المحارم مثل الزنا والشرب والسرقة ... ، وهذا غير وارد على الفرائض، مثل المباني، فإن في تركها نزاعًا مشهورًا، فضلًا عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت