غيظًا وسفهًا، أو عبثًا أو لعبًا"كما قال المنافقون: (إنما كنا نخوض ونلعب) كما إذا قال: إنما قذفت هذا أو كذبت عليه لعبًا وعبثًا، فإن قيل لا يكونون كفارًا، فهو خلاف نص القرآن، وإن قيل يكونون كفارًا فهو تكفير بغير موجب إذ لم يجعل نفس السب مكفّرًا، وقول القائل أنا لا أصدقه في هذا لا يستقيم، فإن التكفير لا يكون بأمر محتمل، فإذا كان قد قال:"أنا أعتقد أن ذلك ذنب ومعصية وأنا أفعله"فكيف يكفر إن لم يكن ذلك كفرًا؟ ولهذا قال سبحانه وتعالى: (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) ولم يقل قد كذبت في قولكم إنا كنا نخوض ونلعب، فلم يكذبهم في هذا العذر كما كذبهم في سائر ما أظهروه من العذر الذي يوجب براءتهم من الكفر كما لو كانوا صادقين، بل بين أنهم كفروا بعد إيمانهم بهذا الخوض واللعب) ا. هـ"
وقال في كتابه (الإيمان) ص259 - 260 في الكلام على الآيات التي تحكي الاستهزاء ما نصه:
(وقول من يقول عن مثل هذه الآيات: إنهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم مع كفرهم أولًا بقلوبهم، لا يصح، لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر، فلا يُقال: قد كفرتم بعد إيمانكم، فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر، .. ولهذا قيل:(لا تعتذرواقد كفرتم بعد إيمانكم ... الآية) فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرًا، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبين أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرَّم الذي عرفوا أنه محرم، ولكنهم لم يظنوه كفرًا وكان كفرًا كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه، ... ) ا. هـ
قلت: والمقصود هنا بيان أن أهل السنة ومنهم الإمام تقي الدين ابن تيمية قد ردُّوا مذهب المرجئة في إرجاعهم نفس الأقوال أو الأفعال المكفِّرة إلى التكذيب أو الاستحلال، وهذا قد يكون بعض بواعث الكفر، ومع هذا أبان لهم أهل السنة أن نفس الأمر المكفر كفر بنفسه ولا يلزم من ذلك أن يكون صاحبه مكذّبًا، أو مبغضًا لله ولرسوله أو غير ذلك كما يقول هذا المردود عليه، بل إن نفس المرجئة الذي قصد أهل السنة الرد عليهم، لم يقولوا أنه لا بد أن يصرِّح المرتد بأنه فعل ذلك استحلالًا منه، أو بغضًا، أو كبرًا، أو حسدًا؛ كما يقوله غلاة المرجئة من المعاصرين من أمثال هذا الأفّاك، إذ يقول كما في كتابه ص23، ما نصه:-
(فلاحظ أنه(يعني ابن تيمية) لم يجعل ترك الالتزام الفعلي مكفرًا بذاته، بل لما احتف به اعتقاد كفري، وهو الكبر والحسد أو بغض الله ورسوله. فبهذا يتبين بجلاء أن ترك الالتزام ليس تركًا للفعل بل ترك للاعتقاد، ... ) ا. هـ