فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 132

الثالث: زعمه أن هذا التفريق قال به أهل العلم، والقول بخلاف ذلك هو خروج عن أقاويلهم في هذا الباب!

والجواب عن الأمر الأول هو أن يقال:

إن مناط الكفر هنا باتفاق علماء السنة، هو جعل التشريع حقًا لغير الله -تعالى-، فمن أشرك مع الله غيره في الحكم أو التشريع فقد اتخذه ربًا من دون الله أو مع الله، وذلك على حسب حاله، وذلك كمن يأخذ ببعض الأحكام من الله، ويأخذ غيرها من دونه، وهذا الذي يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، وبالجملة، فإن من يفعل ذلك يصير كافرًا مرتدًا، وهذا الذي عناه رب العالمين في الآية الكريمة، وعلق مناط الكفر عليه، ولذلك قال الإمام ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية:

(بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس من تحريم ما حرموا عليهم ... ) ا. هـ

وقال شيخ المفسرين ابن جرير ما نصه:-

(يقول تعالى ذكره أم لهؤلاء المشركين بالله شركاء في شركهم وضلالتهم شرعوا لهم من الدين .. ) أ. هـ

ولذلك لم يتعرضا هما ولا غيرهما من العلماء إلى ما يحكيه هذا الأفّاك وأمثاله، من أن مناط الكفر هو التبديل مع الادعاء على أنه من عند الله، فإن حصر التبديل بهذا لا نعلمه عن أحد من الجن ولا من الإنس، إلا عن أمثال هؤلاء الغلاة من مرجئة العصر، والتبديل الذي يحكيه هذا المعترض، هو من جنس الشرع المبدَّل، وتبديل الشرع أعم منه، كما سيأتي هذا لاحقًا، وكذلك فإن التبديل في الأمم يكون بأنواع، فقد يتخذه قوم باسم الدين كما هو حال عبدة الأصنام ومن على شاكلتهم، ومنه ما يكون باسم العادات والأعراف، وما كان عليه الآباء، وهذا كالذي يتحاكم إليه كثير من الأعراب وأهل البوادي، وهو الذي يسمى بسواليف البادية، وهي من العادات الجارية عندهم، ولا يخطر في بال أحدهم أن يدين لله بها أو يتعبده فيها، ومع هذا فقد تكلم فيهم أهل العلم، وحكموا بكفرهم إذا لم يلتزموا حكم الشرع، ومنه ما يكون باسم المصلحة بين الناس، وهذا كالذي ينصب طاغوتاَ ويُحاكم الناس إليه، بسبب أنهم قد رضوا به وتوافقوا عليه، ويدخل في هذا الجنس بعض طواغيت العصر، مثل الديمقراطية، والعلمانية، والقومية، والبعثية، والوطنية، والاشتراكية ... إلى غير ذلك من الطواغيت المعاصرة، وبالجملة، فإن كل من حكم بغير حكم الشريعة من القوانين الوضعية البشرية، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وإن لم يدّع أنها دين من الله كما يقول هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت