فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 132

عصى الله فيك، بمثل أن تطيع الله فيه)، وهذا دأب أهل السنة، فإنهم يعرفون الحق ويرحمون الخلق، وهذا بخلاف ما عليه المعترض، فإنه طعن في خصومه، وذكر فيهم كل نقيصة دون ذكره لحسنة واحدة لهم، وإن كان مثل ذلك ليس بلازم في ثنايا الردود على المخالف -كما هي طريقة أهل العلم في رد الباطل-، ولكن -أحيانًا- يعوز الرادّ أن يذكر شيئًا من هذا في أثناء كلامه على المخالف، كأن يكون المخالف له كلام عظيم في الذب عن الإسلام في بعض أبواب الدين، فإذا ذُكِر شيء من هذه الأبواب -في أثناء الكلام-، فإنه ليس من العيب أن تذكر ما للمخالف من حسنات في هذا الباب، فإن الله يحب الكلام على الناس بعدل وإنصاف، وهذا من شيم المروءة فضلًا عن شيم الإسلام وآدابه، وأنت إذا طالعت شيئًا من كلام هذا المعترض وأمثاله في الكلام على المخالف، وجدت الهوى فاشيًا في أقاويلهم، والكلام على الناس بجور وظلم، وهذا دليل رقة الديانة فضلًا عن المروءة، والله المسؤول أن يكفي آخر هذه الأمة شر الإرجاء والمرجئة، كما كفى أولها، وبالله التوفيق.

وقد بقي هنا بقية كلام، قبل مفارقة هذا الموضع في الرد على كلام المردود عليه، وهو أن يُقال، أن هذا المعترض يغتر كثيرًا بكلام العلماء، ويعطيه شيئًا من القدسية، ما لا يعطي ذلك لنصوص الوحي، وهذه طريقة المقلدين الجامدين على أقوال علمائهم ومقلديهم، وهي طريقة قد كشف اهل العلم زيغها -قديمًا-، وأبانوا زيفها، فلا نشتغل بتفنيدها -هنا- لأجل من كفانا مؤنتها من الأئمة الأوائل، وإنما الشأن هنا فيمن يعظم طريقة السلف، ويحكي عن نفسه أنه على نهجهم في تعظيم الدليل، وتقديمه على أقاويل الرجال، وقد عَلِمَ أن من طريقتهم، ومن أسّ نهجهم، أن أقوال العلماء يستدلُّ لها، ولا يستدلُّ بها، وهذا من أعظم ما يمتاز به منهج أهل السنة عن غيرهم، وهذه طريقة أهل الحديث والأثر، وهم الطائفة المنصورة، والفرقة الناجية، فصاروا -رحمهم الله-، لعظم نصوص الشريعة في صدورهم، صاروا ينظرون إلى القول، ويقبلونه إن كان حقًا في نفسه، دون النظر إلى قائله!، وذاع في أوساطهم -تلك العبادة الرّائقة، التي سار بها الرّكبان، حتى غدت شعار القوم: (لنا روايتُه، وعليه بدعتُه) !، ولقد درج على هذا بعضُ العلماء المحققين، الذين اتبعوا طريقتهم بإحسان، كالعلامة المحقق أبي عبد الله بن قيم الجوزية -رحمه الله-، فقد قال كلامًا بديعًا في هذا، حيث قال في آخر مصنّفه: (مدارج السالكين) (3/ 522) ما نصه:

(فيا أيها القارىء له، لك غُنْمُه وعلى مؤلفه غرْمُه. لك ثمرتُه وعليه تبعتُه. فما وجدت فيه من صواب وحق فاقبله، ولا تلتفت إلى قائله. بل انظر إلى ما قال لا إلى من قال. وقد ذمّ الله تعالى من يرد الحقّ إذا جاء به من يبغضه ويقبله إذا قاله من يحبُّه. فهذا خُلُق الأمة الغضبية) ا. هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت