وأما الجواب عن الإيهام الثاني، فنقول:
قد أوهم المعترضُ القارىءَ، في نقله لهذا الكلام عن الإمام ابن عبدالوهاب، من أنه يذهب إلى أن الحاكم بالقوانين الوضعية، المبدِّل للشريعة، مسلم، مؤمن، ما لم يستحل أو يجحد، وهذا غلط عليه، فإنه -رحمه الله- لم يرد ذلك بمرة، ولا في كلامه ما يشير إلى ذلك، بل إنه كان صرّح في كلام له، صريح في كفر المبدِّل، وأنه رأس من رؤوس طواغيت العالم، فقد قال -رحمه الله- كما في (الدرر السنية) (1/ 161) فما بعدها، ما نصه:
(والطواغيت كثيرة، ورؤوسهم خمسة: ثم قال: (الثاني: الحاكم الجائر، المغيِّر لأحكام الله تعالى، والدليل قوله تعالى:(ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالًا بعيدًا) ا. هـ
قلت: ويدلُّ على أنه أراد أنه كافر الكفر المخرج عن الملة، أمران:
الأول: أنه قرنه مع الشيطان، والذي يعبد من دون الله، وهو راض، والذي يدعي علم الغيب، ولا شك أن هؤلاء كفار باتفاق أهل القبلة.
والثاني: وهذا أقوى من الأول، وأصرح، ذلك أنه أنزل حكم المغيِّر للشريعة، على قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون ... ) الآية، وهي نص في كفر المتحاكم للطاغوت، وهذا مما لا نعلم فيه خلافًاعن أحد من أهل السنة ولا حتى عن أهل البدعة، إلا ما صرح فيه من المخالفة بعض المتأخرين من المتعالمين، مثل المردود عليه وأمثاله من المعاصرين، الذين ينتسبون إلى طريقة السلف، وهي منهم براء، وهم شاذون عن أقوال أهل القبلة في هذا الباب، إلا عن أقوال الجهمية، ولم يعدُّهم كثير من السلف من أهل القبلة -أصلا-!
أقول: فجعل الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-، المغيِّر للشريعة، كالحاكمين بالقوانين الوضعية اليوم، من جنس المتحاكمين للطاغوت، ولا شك أن المتحاكم للطاغوت، المحكِّم له في شؤون حياته، كلها، أو بعضها، لا شك أنه مارق عن الشريعة، كما هو صريح آية الكتاب.
وأما الجواب عن الايهام الثالث، من أن الشيخ الإمام لا يقول بكفر تارك الصلاة، فالجواب عنه من وجوه: