فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 132

القولان شاذّان، ومع ذلك فلم يقل أحد بتكفير المجتهدين المتنازعين فيها، ومع ذلك فبعض هذه المسائل قد ثبت خطأ المنازع فيها بالنصوص والإجماع القديم ... ) ا. هـ

قلت: فكلام الأئمة هنا منسحبٌ على الخلاف المعتبر، وأن المجتهد في ذلك معذور بكل حال، وكذا المقلد له، وأما الخلاف الذي ليس بسائغ بينهم، فإنهم على الجملة قد أعذروا المجتهد فيها -أيضًا- وذلك كالذي لم يصله النص - أصلًا-، أو وصله وتأوّله، إلى غير ذلك من الأعذار، التي قد تقع للعالم، وهذا مثل من ذهب من العلماء والأئمة إلى استحلال ما حرّم الله -تعالى-، مثل بعض أنواع الربا، وأنواع من الخمر، واستحلال آخرين للقتال في الفتنة وغير ذلك، كما هو مسطور في كتب أهل العلم، ولذلك قال الإمام أبو محمد ابن حزم في هذا المقام، كما في كتابه (الدرة فيما يجب اعتقاده) ما نصه:

(ومن بلغه الأمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من طريقة ثابتة، وهو مسلم، فتأوّل في خلافه إياه، أو ردّ ما بلغه بنص آخر، فما لم تقم عليه الحجة في خطئه في ترك ما ترك، وفي الأخذ بما أخذ، فهو مأجور معذور لقصده إلى الحق، وجهله به، وإن قامت عليه الحجة في ذلك، فعاند فلا تأويل بعد قيام الحجة.) ا. هـ

وقال شيخ الإسلام كما في الفتاوى (12/ 494/495) في معرض ذلك:

(ومع ذلك فبعض المسائل قد ثبت خطأ المنازع فيها بالنصوص والإجماع القديم، مثل استحلال بعض السلف والخلف لبعض أنواع الربا، واستحلال آخرين لبعض أنواع الخمر، واستحلال آخرين للقتال في الفتنة.) ا. هـ

قلت: فبان ذلك، أن المجتهد في هذا الباب لا يمكن تأثيمه فضلًا عن تكفيره، وذلك سارٍ في المسائل المعتبرة وغيرها على الإجمال، كما عرّفْتك آنفًا، والمقلد معذور في المسائل السائغة، التي وقع فيها النزاع بين أهل السنة، وأما غير السائغة فإنه قد يكون معذورًا تارة، وقد يكون آثمًا عاصيًا تارة، وكافرًا مرتدًا تارة أخرى، كما حكى هذا تقي الدين ابن تيمية وغيره من الأئمة، فمن كلامه في هذا الباب، قوله كما في (الفتاوى) (12/ 180) ما نصه:

(وأما"التكفير"، فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- وقصد الحق، فأخطأ لم يكفر، بل يغفر له خطؤه، ومن تبيّن له ما جاء به الرسول، فشاق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدى، واتبع غير سبيل المؤمنين: فهو كافر، ومن اتبع هواه، وقصر في طلب الحق، وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب، ثم قد يكون فاسقًا، ... ) ا. هـ

قلت: ولا شك أن المقلِّد يشمله هذا الكلام من باب أولى وأحرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت