فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 132

فهذه ثلاث شبه من كلامه، والردّ عليه سهل إن شاء الله، فإنه يُقال في الرد على الشبهة الأولى:

أنه لا يلزم من مقاتلتهم الصحابة -رضي الله عنهم- أنهم كانوا غير مقرّين بها؛ فهذا خطأ؛ يدل عليه أن بعض الصحابة مثل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- استشكل قتالهم؛ إذ كانوا يقيمون شعائر الإسلام مثل الصلاة والصيام فضلًا عن قولهم كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ، ولذلك قال عمر -رضي الله عنه- لأبي بكر -رضي الله عنه- كما في الصحيحين: (كيف تُقاتل الناسَ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ... الحديث، فلو كان هؤلاء كفار عنده ما كان يردُ له مثل ذلك!

وأيضًا: فإن أبا بكر -رضي الله عنه- أقرّه على ذلك من أنهم مسلمون في الظاهر، وإلا لو كان كفرهم ظاهر من عدم الإقرار بالزكاة -أصلًا- كما يدّعي هذا المعترض؛ لكان أبو بكر -رضي الله عنه- يجعل هذا دليلًا له في إقناع عمر -رضي الله عنه- على كفرهم، ولقال له: هؤلاء لا يقاتلون على ذلك إلا لأنهم لا يقرون في باطنهم بفرضية الزكاة!، فلما لم يقل هذا، ولم يُشر إليه في كلامه، بل قال له: (والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال) ، عُلِمَ من ذلك أنهم قوتلوا لأجل المنع وليس لغير ذلك، وأنا لا أعرف أحدًا من أهل العلم ذهب إلى مثل ما يحكيه هذا الرجل المردود عليه، فإن العلماء من شرّاح الأحاديث الذين تكلموا في شرح الحديث مثل أبي سليمان الخطابي الشافعي، وأبي زكريا النواوي وغيرهما ذهبوا إلى أن رِدّة العرب كانت على أصناف وألوان؛ فمنهم من ترك الشرائع، ومنهم من تبع مسيلمة في دعواه أنه نبي، ومنهم من ترك أداء الزكاة وزعموا أنها خاصة برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتأولوا قول الله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) فزعموا أن هذا خاص بالنبي -عليه الصلاة والسلام- لا يشاركه فيه أحد؛ وهؤلاء هم الذين وقعت لعمر -رضي الله عنه- بسببهم الشبهة، وهؤلاء عدّهم جماهير العلماء المتأخرين أهل بغي، ولم يعدوهم في طوائف الردة، وإنما دخلوا في اسم الردة على سبيل التغليب، وبعض العلماء المتأخرين مثل تقي الدين ابن تيمية ومن تبعه -مِمَّن جاء بعده حكوا أن هؤلاء معدودون في طوائف الردة على الحقيقة، وإن كانوا مقرين بفرضيتها بشكل عام، لكن ما عَرَضَ لهم من الشبهة في ذلك من عدم وجوب الزكاة بعد موت الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم تكن مثل هذه الشبهة سائغة ولذلك كفّرهم الصحابة -رضي الله عنهم-، وهذا القول هو الصحيح الذي تطمئن له النفس؛ فإن الظاهر من سيرة الصحابة الكرام في قتالهم لهذه الطوائف أنهم حكموا فيهم حكمًا واحدًا من قتل مقاتليهم وسبي ذراريهم، والحكم على قتلاهم أنهم في النار، ولا يُعلم أنهم فرقوا بين طائفة وطائفة كما يقول هذا بعض الفقهاء، بل كلام أبي هريرة -رضي الله عنه- ظاهر بذلك فإنه قال: (لما توفي رسول الله -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت