فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 132

الأول: أن الآية الكريمة (ألم تر إلى الذين يزعمون ... ) لم تُشر من قريب ولا من بعيد إلى ذكر المنافقين فضلًا عن تخصيصهم بلفظ معين، وإنما جاء ذكرهم بعد هذه الآية، وأما الآية نفسها التي نتكلم فيها فإنها لم تذكر هذا بمرّة، فالقرآن علّق الزعم على مجرد التحاكم، فدل على أن من تحاكم إلى غير الكتاب والسنة فقد تحاكم للطاغوت، ومن تحاكم له فقد كفر بنص القرآن، لأنه نفى أن يكون من يفعل ذلك مؤمنًا، وهذا دليل كفره في الباطن وأنه منافق مرتد من كل وجه كما هو معنى لفظة (الزعم) ، فالتحاكم إلى الطاغوت هو مناط التكفير كما هو صريح الآية، فهؤلاء المتاحكمون إلى الطاغوت لما كانوا مؤمنين في الظاهر، انتقض إيمانهم بمجرد تحاكمهم إليه، ودل ذلك على أنهم منافقون في الباطن، ولذلك صار علماء الإسلام يذكرون هذه الآية في مصنفاتهم، ويستدلون بها على كفر من حكم أو تحاكم إلى الطاغوت، وأنه كاذب فيما يدعيه من الإيمان، وهو كافر -أيضًا- وإن زعم أنه مصدِّق في الباطن، فإن فعله هذا من جنس خرق أعمال القلوب كما ذكرت هذا في مواضع من هذا الرد، ولم يتعرضوا لذكر المنافقين كما فعل هذا المردود عليه، وحكى أن كفرهم كان بسبب أنهم كانوا مستحلِّين في الباطن للتحاكم إلى الطاغوت، ولذلك كفروا!، فهذا كلام غريبٌ عن أقاويل أهل الإسلام، مرجئهم وسنيِّهم، فالمرجئة تكفِّر المتحاكم للطاغوت وتجعل ذلك دليل تكذيبه في الباطن، وأهل السنة يجعلون نفس تحاكمه للطاغوت كفر في الباطن وإن كان مع ذلك مصدِّقًا في الباطن- أيضًا-، أو أنه لا يستحلّ التحاكم للطاغوت، وقد يجعلون ذلك من لوازم كفره وتكذيبه في الباطن، لكن ذلك ليس بشرط عندهم كما تدَّعي المرجئة، وأما المردود عليه فقد ذهب مذهبًا عجيبًا في هذا الباب، وما قال بقوله هذا فيما علمنا إلا الجهمية وأبو مرة، وأهل السنة على خلاف هذا المذهب الرديء، فقد قال تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله- كما في (صارمه) (2/ 81) بعد ذكره لآية الزعم، قال ما عبارته:

(فبيّن سبحانه أن من دُعي إلى التحاكم إلى كتاب الله وإلى رسوله فصدّ عن رسوله كان منافقًا ... وليس بمؤمن، وأن المؤمن هو الذي يقول: سمعنا وأطعنا؛ فإذا كان النفاق يثبت ويزول بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره مع أن هذا ترك محض، وقد يكون سببه قوة الشهوة) ا. هـ

قلت: فانظر كيف علق الكفر والنفاق على مجرد التحاكم، وأن الإيمان يزول عن صاحبه بسبب ذلك، ولم يقل كما قال هذا الجهول أن سبب الكفر كان لأن المتحاكم لم ير وجوب الكفر بالطاغوت كما هو حال المنافقين!!، فإن هذا مناط للتكفير آخر، فمن لم ير وجوب الكفر بالطاغوت يكون كافرًا ولو لم يتحاكم، فتأمل.

وقال العلامة ابن قيم الجوزية -رحمه الله- في الكلام على نفس الآية، ما نصه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت