إذا كان الإنسان مندوبًا لترك ما يؤدي به إلى الشك من الأفعال، فهو أيضًا مندوب من جهة أخرى لأخذ الاحتياط، وسد منافذ الشك التي ليست ناتجة عن أفعاله، ويستدل على هذا بما رُوِيَ(أن النبي
-صلى الله عليه وسلم - - بَالَ فَنَضَح فَرْجَه) [1] ، وفي رواية (بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَنَضَحَ فَرْجَه) [2] ، والعلماء استدلوا بهذا الحديث على أنه يستحب لمن انتهى من قضاء حاجته، واستنجى أن يرش فرجه، وما يحاذيه من الثياب بالماء دفعًا للوسواس، فإذا رأى بللًا في ثيابه بعد الوضوء، أحال هذا البلل ونسبه إلى الماء الذي رشَّه، وفي فعله هذا سد لباب الشك والوسوسة، حيث يمنع التفكير في الرطوبة بداية، ويوجه العقل إلى الماء الذي تم رشه، كما يجعل التأكد من الشك بخروج شيء مستحيلًا بسبب رطوبة الثياب ابتداءً، وهذا يساعد كثيرًا على صرف الانتباه، وعن التفكير في الشكوك والوساوس، وعن محاولات التحقق منها.
رابعًا: ترك التنطع والتعمق ...
ومن الطرق الوقائية من الوسواس ترك التعمق والتشدد في الأمور؛ لأن النفس إذا تعودت شيئًا صار خُلُقًا لها، فمن عوّد نفسه على التشدد، ومجاوزة الحدود صار ذلك طبعًا له، وانتقل تشدده الاختياري إلى وسوسة تقهره وتهلكه، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التنطع وحذر منه فقال: (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ) [3] . والمتنطعون: هو المتعمقون، الغالون، المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم [4] . ...
وقد أشار الفقهاء إلى أثر التشدد في إحداث الوسوسة في أثناء بيانهم للأحكام، ومن ذلك:
-ما ورد من كراهة التشدد في الاستبراء للرجل: جاء في حاشية الطحطاوي"وما قيل أنه يجذب الذكر بعنف مرة بعد مرة أخرى فيه نظر؛ لأنه يورث الوسواس، ويضر بالذكر، ... ولو عرض له الشيطان كثيرًا لا يلتفت إليه، بل ينضح فرجه وسراويله بالماء، حتى إذا شك حمل البلل على ذلك النضح، ما لم يتيقن خلافه" [5] . ...
-ما ورد من كراهة التشديد في الدلك عند المالكية حيث إنهم يقولون بفرضيته: جاء في الشرح الصغير"الفريضة الخامسة: الدلك: وهو إمرار اليد على العضو ولو بعد صب الماء قبل جفافه، ... ويندب أن يكون خفيفًا مرة واحدة، ويكره التشديد والتكرار لما فيه من التعمق في الدين المؤدي للوسوسة" [6] . ...
فالواجب على المسلم ألا يعوِّد نفسه من البداية على التعمق والتدقيق على تفاصيل الأمور - التي تصح دون ذلك التدقيق-، حتى لا يتحول إلى أسلوب في تفكيره وأعماله، يجلب الحرج له ولمن حوله، أو ينقلب عند ذوي الاستعداد إلى وساوس وأفعال قهرية ... . ...
(1) أخرجه ابن ماجة بلفظ (توضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنضح فرجه) ، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في النضح بعد الوضوء، حديث رقم (464) . سنن ابن ماجة، 1/ 205، وأخرجه النسائي بلفظ قريب، كتاب الطهارة، باب النضح، حديث رقم (135) . سنن النسائي، 1/ 160 - 161، والحديث صححه الألباني. صحيح سنن النسائي، 1/ 30.
(2) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب في الانتضاح، حديث رقم (168) . سنن أبي داود، 1/ 83، وأخرجه أحمد، حديث رقم (15384) . المسند، 24/ 104، والحديث صححه الألباني. صحيح سنن أبي داود، 1/ 34.
(3) أخرجه مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، حديث رقم (2670) . صحيح مسلم، 4/ 2055.
(4) انظر: النووي، شرح صحيح مسلم، 16/ 168.
(5) الطحطاوي، ص43.
(6) الدردير، الشرح الصغير، 1/ 110 - 111.