وتقديم ذكر الجنة على الناس في هذه الآية؛ لأنهم أصل الوسواس [1] .
قال سيد قطب معقّبًا على قوله تعالى (من شرّ الوسواس ... والناس) :"وقد أطلق النص الصفة أولًا (الوسواس الخناس) ، وحدّد عمله (الذي يوسوس في صدور الناس) ، ثم حدد ماهيته (من الجنة والناس) ، وهذا الترتيب يثير في الحسّ اليقظة والتلفت والانتباه لتبين حقيقة الوسواس الخناس بعد إطلاق صفته في أول الكلام، ولإدراك طريقة فعله التي يتحقق بها شره، تأهّبًا لدفعه أو مراقبته، والنفس حين تعرف بعد هذا التشويق والإيقاظ أن الوسواس الخناس يوسوس في صدور الناس خفية وسرًا، وأنه هو الجنة الخافية، وهو كذلك الناس الذين يتدسّسون إلى الصدور تدسس الجنة، ويوسوسون وسوسة الشياطين، النفس حين تعرف هذا تتأهّب للدفاع، وقد عرفتْ المكمن والمدخل والطريق" [2] .
من خلال الوقوف على هذا التفسير الموجز للآيات الكريمة يمكننا أن نخلص إلى ما يلي:
1 -أشارت الآيات القرآنية الكريمة إلى أن الوساوس مصدرها إما من الشيطان، وإما من النفس الإنسانية (سواء كانت نفس الإنسان أو نفس غيره) .
2 -ذُكِرت وساوس الشيطان مرتين في سورتي الأعراف وطه، وذلك في قصة إخراج آدم -عليه السلام- من الجنة، وذكرت وساوس النفس مرة في سورة ق، ثم جُمِع بين الوسوستَيْن في سورة الناس، ويمكننا أن نلمح من خلال تكرار ذكر وسوسة الشيطان مراد التنبيه على عظيم خطر وساوس الشيطان.
3 -على الرغم من أن الله تعالى قد حذر آدم -عليه السلام- من الشيطان، وبيّن له عداوته له إلا أنه أقدم على الأكل من الشجرة المنهي عنها منصاعًا لوسوسة الشيطان، وهذا كما قال الرازي يدل على أنه لا دافع لقضاء الله تعالى ولا مانع له، وأنه لا ينفع حذر من قدر كما قالوا، ويمكننا أن نسقط هذا المعنى الذي ذكره على ما قد يحصل من إصابة مَن هو على قدر عال من التدين والعلم بمرض الوسواس القهري على اعتبار أن الشيطان هو مصدر الفكرة الوسواسية في المرض.
4 -الوسوسة آفة الدين، ولا أعظم من آفة تصيب الدين، وإن آفات الجسد مهمات عظمت هانت أمام آفة الدين.
5 -سبيل دفع الوساوس هو أن يلتجئ الإنسان بكليّته إلى الله سبحانه وتعالى الذي بيده مقاليد كل شيء خالق النفس والشيطان طالبًا النجاة.
سأذكر فيما يأتي عددًا من الأحاديث النبوية الشريفة والآثار التي تضمنت في نصوصها مادة الوسوسة، أو التي عقد مصنفوها تراجم لأبواب تتعلق بالوسوسة، مع ذكر شرح موجز لها، وذكر بعض الأحكام الفقهية التي استنبطها الفقهاء منها إن اقتضى الأمر:
(1) انظر: ابن عاشور، التحرير والتنوير، 15/ 633 - 634، والزمخشري، الكشاف، ص 1231.
(2) في ظلال القرآن، 6/ 4010 - 4011.