1 -وساوس تتعلق بالذات الإلهية:
الأحاديث والآثار التي تناولت الحديث عن الوساوس التي تتعلق بالذات الإلهية نلاحظ أنها بيّنت مصدر هذه الوساوس، وأسلوب التعامل معها.
أ- عن أَبَي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: (يَاتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولَ مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا حَتَّى يَقُولَ لَهُ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ، فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ) [1] ، وفي رواية (فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَلْيَقُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ) [2] .
قوله"فليقل آمنت بالله"،"فليستعذ بالله ولينته": معناه من خطر له هذا الخاطر الباطل عليه أن يلتجئ إلى الله تعالى ليذهبه عنه، وأن يعرض عنه بعدم التفكير فيه، وأن يشغل نفسه بغير ما يوسوس به، وعليه أن يعلم أن هذا الخاطر إنما هو من الشيطان [3] .
وقد نقل النووي عن المازري قوله:"ظاهر الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها، والرد لها من غير استدلال، ولا نظر في إبطالها، قال: والذي يقال في هذا المعنى أن الخواطر على قسمين: فأما التي ليست بمستقرة، ولا اجتلبتها شبهة طرأت، فهي التي تدفع بالإعراض عنها، وعلى هذا يحمل الحديث، وعلى مثلها ينطلق اسم الوسوسة؛ فكأنه لما كان أمرًا طارئًا بغير أصل دُفِع بغير نظر في دليل إذ لا أصل له يُنظَر فيه، وأما الخواطر المستقرة التي أوجبتها الشبهة، فإنها لا تدفع إلا بالاستدلال والنظر في إبطالها" [4] .
وجاء في طرح التثريب"قال الخطابي وجه هذا الحديث ومعناه ترك الفكر فيما يخطر بالقلب من وساوس الشيطان، والامتناع من قبولها، واللياذ بالله في الاستعاذة منه، والكف عن مجاراته في حديث النفس، ومطاولته في المحاجّة، والمناظرة، والاشتغال بالجواب على ما يوجبه حق النظر في مثله لو كان المناظر عليه بشرًا، وكلمك في مثل ذلك، فإن مَن ناظرك وأنت تشاهده وتسمع كلامه ويسمع كلامك، لا يمكنه أن يغالطك فيما يجري بينكما من الكلام حتى يخرجك كلامه من حدود النظر، ورسوم الجدل، فإن بان السؤال وما يجري فيه من المعارضة، والمناقضة معلوم، والأمر فيه محدود محصور، فإذا رَعَيتَ الطريقة، وأصبت الحجة، وألزمتها خصمك، انقطع وكفيت مؤنته، وحسمت شغبه" [5] .
يلاحظ على هذا الحديث أنه بيّن أن مصدر الوساوس التي تتعلق بالذات الإلهية هو الشيطان، وأن من سبل دفع هذه الوساوس الاستعاذة بالله تعالى، وقول آمنت بالله، والإعراض عنها بعدم التفكير فيها، والاشتغال بغيرها.
ب- عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَحَدَنَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ يُعَرِّضُ بِالشَّيْءِ لَأَنْ يَكُونَ حُمَمَةً أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ: (اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ
(1) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها. صحيح مسلم، 1/ 120.
(2) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، حديث رقم (134) . صحيح مسلم، 1/ 119.
(3) انظر: النووي، شرح صحيح مسلم، 1/ 316 - 317.
(4) شرح صحيح مسلم، 1/ 316.
(5) العراقي، 8/ 164.