أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ). قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: (رَدَّ أَمْرَهُ) مَكَانَ (رَدَّ كَيْدَهُ) [1] .
قوله"حُممةً": أي فحمًا [2] .
هذا الحديث من الأحاديث التي بيّنت أسلوب التعامل مع هذه الوساوس، حيث إنه عليه الصلاة والسلام استخدم أسلوب التطمين لمن تَعْرِض له هذه الوساوس، فبيّن أن حاصل ما يستطيعه الشيطان هو هذه الوساوس، فلا يستطيع ضرّ أحد.
ج- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه-: قَالَ جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَسَأَلُوهُ إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ: (وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ) ، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: (ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ) [3] ، وفي رواية (تِلْكَ مَحْضُ الْإِيمَانِ) [4] .
قوله"ذاك صريح الإيمان"،"تلك محض الإيمان"معناه كما قال النووي:"استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان؛ فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلًا عن اعتقاده إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالًا محققًا، وانتفت عنه الريبة والشكوك، وقيل: معناه أن الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه، فينكد عليه بالوسوسة لعجزه عن إغوائه، وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء، ولا يقتصر في حقه على الوسوسة؛ بل يتلاعب به كيف أراد، فعلى هذا معنى الحديث سبب الوسوسة محض الإيمان، أو الوسوسة علامة محض الإيمان، وهذا القول اختيار القاضي عياض" [5] .
وقال ابن تيمية:"أي حصول هذا الوسواس مع هذه الكراهة العظيمة له، ودفعه عن القلب هو من صريح الإيمان، كالمجاهد الذي جاءه العدو، فدافعه حتى غلبه، فهذا أعظم الجهاد، والصريح الخالص، كاللبن الصريح، وإنما صار صريحًا لما كرهوا تلك الوساوس الشيطانية، ودفعوها، فخلص الإيمان، فصار صريحًا" [6] .
وهذا الحديث أيضًا استخدم فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - أسلوب التطمين، فبيّن أن الوسوسة هي علامة على محض الإيمان.
د- عن أَبُي زُمَيْلٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: مَا شَيْءٌ أَجِدُهُ فِي صَدْرِي، قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أَتَكَلَّمُ بِهِ، قَالَ: فَقَالَ لِي: أَشَيْءٌ مِنْ شَكٍّ؟ قَالَ وَضَحِكَ، قَالَ: مَا نَجَا مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ، قَالَ: حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) الْآيَةَ،
(1) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في ردّ الوسوسة، حديث رقم (5112) . سنن أبي داود، 4/ 2176 - 2177، وصححه الألباني. صحيح سنن أبي داود، 3/ 963، وأخرجه أحمد، حديث رقم (3161) . المسند، 5/ 248، وأخرجه ابن حبان، كتاب الإيمان، باب التكليف، ذكر الإباحة للمرء أن يعرض بقلبه شيء من وساوس الشيطان ... ، حديث رقم (147) . صحيح ابن حبان، 1/ 360.
(2) العظيم آبادي، عون المعبود، 14/ 12.
(3) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، حديث رقم (132) . صحيح مسلم، 1/ 119.
(4) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، حديث رقم (133) . صحيح مسلم، 1/ 119.
(5) شرح صحيح مسلم، 1/ 316.
(6) مجموع فتاوى ابن تيمية، 7/ 282.