الصفحة 34 من 95

قَالَ: فَقَالَ لِي: إِذَا وَجَدْتَ فِي نَفْسِكَ شَيْئًا، فَقُلْ (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [1] .

يرشد ابن عباس - رضي الله عنهما - في هذا الحديث أبا زُمَيل عندما تعرض له هذه الوساوس أن يتلو قوله عزّ من قائل (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [سورة الحديد، آية 3] .

2 -عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ- رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: (لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ) ، قَالَ أَحْمَدُ: (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فِيهِ، فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ) [2] .

قوله"مستحمّه": المُستحَم هو الموضع الذي يُغتسل فيه بالحميم أي: بالماء الحار، ثم قيل للاغتسال بأي ماء كان استحمامًا [3] ، قوله"فإن عامة الوسواس منه": أي أكثره يحصل منه؛ لأن الموضع يصير نجسًا بالبول، فيوسوس قلبه بأنه هل أصابه من رشاشه شيء [4] .

بناء على النهي الوارد في هذا الحديث، ذهب كل من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى كراهية البول في مكان يتوضأ، أو يغتسل فيه. ومحل النهي كما ذهب إليه الحنفية إذا لم يكن للموضع مسلكًا يذهب فيه البول، أو كان المكان صلبًا، فيتوهم المغتسل أنه أصابه منه شيء. ومحل النهي عند الشافعية إن لم يكن للبول منفذ. ومحل النهي عند الحنابلة أن يكون المكان غير مبلّط، أما إذا كان مبلطًا (صلبًا) ، وإذا صب الماء على البول جرى، فلا كراهة [5] .

وجاء في تحفة الأحوذي نقلًا عن العراقي:"حمل جماعة من العلماء هذا الحديث على ما إذا كان المغتسل لينًا، وليس فيه منفذ بحيث إذا نزل فيه البول شربته الأرض، وإذا استقر فيها، فإن كان صلبًا ببلاط ونحوه بحيث يجري عليه البول ولا يستقر، أو كان فيه منفذ كالبالوعة ونحوها، فلا نهي" [6] ، وقال المباركفوري:"والأولى أن يحمل الحديث على إطلاقه، ولا يقيد المستحم بشيء من القيود، فيحترز عن البول في المغتسل مطلقًا، سواء كان له مسلك أم لا، سواء كان المكان صلبًا أو لينًا؛ فإن الوسواس قد يحصل من البول في المغتسل الذي له مسلك أيضًا، وكذلك قد يحصل الوسواس منه في المغتسل اللين والصلب كما لا يخفى" [7] .

(1) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في ردّ الوسوسة، حديث رقم (5110) . سنن أبي داود، 4/ 2176، وقال الألباني حسن الإسناد. صحيح سنن أبي داود، 3/ 962.

(2) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب في البول في المستحم، حديث رقم (27) . سنن أبي داود، 1/ 20، وصححه الألباني ما عدا قوله (قال أحمد ... ) ، فإنه ضعيف. صحيح سنن أبي داود، 1/ 8 - 9، وأخرجه الترمذي، كتاب الطهارة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب ما جاء في كراهية البول في المغتسل، حديث رقم (21) . سنن الترمذي، 1/ 110، وأخرجه النسائي، كتاب الطهارة، باب كراهية البول في المستحم، حديث رقم (36) . سنن النسائي، 1/ 93، وأخرجه ابن ماجة، كتاب الطهارة وسننها، باب كراهية البول في المغتسل، حديث رقم (304) . سنن ابن ماجة، 1/ 157.

(3) انظر: ابن الأثير، النهاية، 1/ 445.

(4) عون المعبود، مجلد 1/ ج 1/ 32.

(5) انظر: ابن عابدين، حاشية رد المحتار، 1/ 344، والشربيني، مغني المحتاج، 1/ 159، و البهوتي، كشاف القناع، 1/ 62 - 63.

(6) المباركفوري، 1/ 82.

(7) تحفة الأحوذي، 1/ 82 - 83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت