الصفحة 35 من 95

3 -وساوس تتعلّق بالتشكيك في انتقاض الوضوء: بيّنت الأحاديث التي تحدثت عن وساوس التشكيك في انتقاض الوضوء مصدر هذه الوساوس، وأسلوب التعامل معها.

أ- قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ جَاءَ الشَّيْطَانُ، فَأَبَسَ بِهِ كَمَا يَابِسُ الرَّجُلُ بِدَابَّتِهِ، فَإِذَا سَكَنَ لَهُ، أَضْرَطَ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ لِيَفْتِنَهُ عَنْ صَلَاتِهِ، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا لَا يُشَكُّ فِيهِ) [1] .

قوله"فأبس": قال ابن فارس:"الباء والسين أصلان: أحدهما السَّوْق، ومنه بسّ بالناقة وأبس بها: إذا دعاها للحَلْب [2] ."

يلاحظ على هذا الحديث أنه بيّن أن الشيطان هو الذي يوسوس للشخص بانتقاض وضوئه، وسبيل التعامل مع هذه الفكرة الوسواسية التي يلقيها الشيطان تكون بأن لا ينصرف الشخص إذا كان مصليًا من صلاته حتى يتقين من خروج شيء منه إما بسماع صوتٍ، أو وجدان ريحٍ.

ب- عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - الرَّجُلُ يَجِدُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا أَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ؟، قَالَ: (لَا حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا) [3] .

قال ابن بطال:"وحديث عبد الله بن زيد [أي هذا الحديث] محمول عند الفقهاء على الذي يعتريه ذلك كثيرًا بدليل قوله (شكي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -) ذلك؛ لأن الشكوى إنما تكون من علة، فإذا كثر الشك في مثل ذلك، وجب إلغاؤه و اطراحه، لأنه لو أوجب له عليه السلام حكمًا لما انفك صاحبه من أن يعود إليه مثل ذلك التخيل والظن، فيقع في ضيق وحرج وقد قال الله تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) " [4] .

لكن قال ابن حجر في الرد على ما ذكره ابن بطال:"وحمل بعضهم الحديث على من كان به وسواس، وتمسّك بأن الشكوى لا تكون إلا من علة، وأجيب بما دل على التعميم، وهو حديث أبي هريرة عند مسلم ولفظه (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) " [5] .

وقال أيضًا:"هذه الترجمة [من لم ير الوساوس ونحوها من المشبهات] معقودة لبيان ما يكره من التنطع في الورع ... ، وغرض المصنف هنا بيان ورع الموسوسين كمن يمتنع من أكل الصيد خشية أن يكون الصيد كان لإنسان ثم أفلت منه، وكمن يترك شراء ما يحتاج إليه من مجهول لا يدري أماله حلال أم حرام، وليست هناك علامة تدل على الثاني، وكمن يترك تناول الشيء لخبر ورد فيه متفق على ضعفه وعدم الاحتجاج به، ويكون دليل إباحته قويًا وتأويله ممتنع أو مستبعد" [6] .

(1) أخرجه أحمد، حديث رقم (8369) ، وقال شعيب الأرنؤوط:"إسناده قوي، رجاله ثقات رجال الشيخين غير الضحاك بن عثمان، فمن رجال مسلم، وهو صدوق". المسند، 14/ 105.

(2) مقاييس اللغة، مادة (بسّ) ، وانظر: ابن الأثير، النهاية، 1/ 127.

(3) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب من لم ير الوساوس ونحوها من المشبهات [أي المشكلات] ، حديث رقم (2056) . صحيح البخاري، ص 423.

(4) شرح ابن بطال، 6/ 170 - 171.

(5) فتح الباري، 1/ 348 - 349.

(6) المصدر نفسه، 4/ 419 - 420.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت