الصفحة 38 من 95

حيث ذهب إلى أن المطلِّق إذا كان زائل العقل إما بجنون، أو إغماء، أو وسوسة، لم يقع طلاقه، وقال: إن هذا مجمع عليه بين الأمة [1] .

وأما عند المالكية، فهو الذي يكثر منه تشكيك نفسه بأنه قد طلق امرأته [2] .

والحاصل أن كلمة الموسوس إذا كانت تعني المجنون كما تقدم في معاني الوسوسة، فلا يقع طلاق المجنون، وإذا كانت تعني من يكثر منه تشكيك نفسه بأنه قد طلق امرأته أي: المصاب بوسواس قهري في الطلاق، فهذا أيضًا لا شيء عليه، ويلزمه الإعراض عن هذا الشك.

من خلال الوقوف على الأحاديث والآثار السالفة الذكر نخلص إلى ما يأتي:

1 -الوسوسة جاءت في الأحاديث والآثار بمعنى حديث النفس، والغلبة على العقل، وما يلقيه الشيطان في النفوس بقصد التشكيك إما في الذات الإلهية، وإما في العبادات (الطاعات) ليفسدها، وهذه الوساوس هي التي تتطور لتُشَكِّل الوسواس القهري الديني إذا وجدت استعدادًا بيولوجيًا لدى الشخص ليصاب بالمرض كما سيأتي.

2 -من الوسائل التي حثّ الشارع عليها لدفع وساوس الشيطان: أسلوب التطمين كما في الوساوس في الذات الإلهية، والدعوة إلى الإعراض عنها وعدم التفكير فيها، والاستعاذة بالله تعالى، واطراح الشك، والبناء على الأصل المُتَيقن.

3 -كراهية البول في مكان الوضوء والاغتسال؛ سدًا لمنافذ الشك التي هي جوهر الوسوسة.

4 -الوضوء مجال لوسوسة الشيطان؛ لكونه يتوصل به إلى أداء العبادة التي هو شرط في صحتها، وعلى المرء أن يحذر من وساوس التشكيك فيه [3] ، وفي سائر العبادات من صلاة، وصيام، وغيرها.

ثالثًا: موقف الفقهاء والأطباء النفسيين من دور الشيطان في الوسوسة عند مرضى الوسواس القهري

اختلف الفقهاء والأطباء النفسيون فيما إذا كان للشيطان دور في الوسوسة عند مرضى الوسواس القهري على خمسة أقوال، هي:

1 -ذهب الفقهاء إلى أن مصدر الفكرة الوسواسية في مرض الوسواس القهري الديني هو الشيطان، وأن وساوسه لا تدوم، إلا على جاهل أو مهووس.

ومن نصوص الفقهاء في ذلك: قول عز الدين:"الوسوسة ليست من نفس الإنسان، وإنما هي صادرة من فعل الشيطان، ولا إثم على الإنسان فيها؛ لأنها ليست من كسبه وصنعه، ويتوهم الإنسان أنها من نفسه لما كان الشيطان يحدّث بها القلب، ولا يلقيها إلى السمع، فيوهم الإنسان أنها صادرة منه، فيتخرج لذلك ويكرهه" [4] .

(1) انظر: إعلام الموقعين، 4/ 38.

(2) انظر: المواق، التاج والإكليل، 5/ 378.

(3) ورد حديث في اسم شيطان الوضوء جاء فيه (إن للوضوء شيطانًا يقال له الولهان، فاتقوا وسواس الماء) . أخرجه الترمذي، كتاب الطهارة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب ما جاء في كراهية الإسراف في الوضوء بالماء، حديث رقم (75) . سنن الترمذي، 1/ 150، وقال الألباني: ضعيف جدًا. ضعيف سنن الترمذي، ص 60.

(4) المواق، التاج والإكليل، 5/ 379.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت