قوله"لا يحدث فيهما نفسه": قال النووي:"المراد لا يحدث بشيء من أمور الدنيا، وما لا يتعلق بالصلاة، ولو عرض له حديث، فأعرض عنه بمجرد عروضه، عفي عن ذلك وحصلت له هذه الفضيلة إن شاء الله تعالى؛ لأن هذا ليس من فعله، وقد عفي لهذه الأمة عن الخواطر التي تعرض ولا تستقر" [1] .
وقال ابن حجر:"المراد به ما تسترسل النفس معه، ويمكن المرء قطعه؛ لأن قوله"يحدث"يقتضي تكسبًا منه، فأما ما يهجم من الخطرات والوساوس ويتعذر دفعه، فذلك معفو عنه" [2] .
قوله"من ذنبه": المراد الصغائر دون الكبائر [3] .
يلاحظ على هذا الحديث أنه تضمن الحضّ على مدافعة حديث النفس في الصلاة، هذا وقد اختلف فقهاء الحنابلة في بطلان الصلاة بغلبة الوساوس:
فقال ابن تيمية: لا تبطل الصلاة إذا غلب الوسواس على أكثرها، ويسقط الفرض، وقال ابن حامد، وابن الجوزي: تبطل صلاة من غلب الوسواس على أكثر صلاته، وقال أبو المعالي وغيره الخشوع واجب في الصلاة، فتبطل الصلاة إذا غلب الوسواس أكثرها، لكن قال في الفروع: ومراده، والله أعلم، في بعضها [4] .
7 -ذكر البخاري في صحيحه ترجمة جاء فيها: لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - (الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) ، وَتَلَا الشَّعْبِيُّ (لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَانَا) ، وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ إِقْرَارِ الْمُوَسْوِسِ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِلَّذِي أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ (أَبِكَ جُنُونٌ) ... ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَالْمُسْتَكْرَهِ لَيْسَ بِجَائِزٍ، وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: لَا يَجُوزُ طَلَاقُ الْمُوَسْوِسِ ... [5] .
قال ابن حجر:"قوله (وقال عقبة بن عامر: لا يجوز طلاق الموسوس) أي لا يقع، لأن الوسوسة حديث النفس، ولا مؤاخذة بما يقع في النفس" [6] .
تضمنت الترجمة التي ذكرها البخاري قول عقبة بن عامر في طلاق الموسوس، وأنه لا يقع، واختلف الفقهاء في تفسيرهم للموسوس هنا، فهو عند الحنفية المجنون، جاء في حاشية رد المحتار"وعن الليث لا يجوز طلاق الموسوس، قال: يعني المغلوب في عقله، وعن الحاكم: هو المصاب في عقله إذا تكلم يتكلم بغير نظام، كذا في المغرب" [7] ، وكذلك ابن القيم عدّ المراد من الموسوس المغلوب على عقله؛
(1) شرح صحيح مسلم، 1/ 462.
(2) فتح الباري، 1/ 380.
(3) انظر: المصدر نفسه، 1/ 380 - 381.
(4) انظر: المرداوي، الإنصاف، 2/ 118 - 119، والبهوتي، كشاف القناع، 1/ 392، والموسوعة الفقهية الكويتية، 43/ 149.
(5) أخرجه البخاري، كتاب الطلاق، باب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك وغيره. صحيح البخاري، ص 1119.
(6) فتح الباري، 9/ 408.
(7) ابن عابدين، 4/ 224.