الصفحة 30 من 95

الأخص إذا وَقعت في الكلام، كانت إضافة بيانية، وإن اعتبرنا الحبل هو الوريد، فأضيف إلى نفسه لاختلاف لفظ اسميه [1] .

الآية الرابعة والخامسة: وردت في سورة الناس الآيتين (4 - 5) ، قال عزّ من قائل: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [الآيات 1 - 6] .

سورة الناس هي آخر سورة في القرآن الكريم، وهي إحدى المعوّذتين اشتملت على التعوّذ من الأضرار التي تعرض للنفوس البشرية وتخصّها، والملاحظ عليه في هذه السورة أن المستعاذ به، وهو الله سبحانه وتعالى قد صف نفسه بثلاث صفات هي الرب والملك والإله، والمستعاذ منه آفة واحدة هي الوسوسة، وفيه إشارة إلى عظم الآفة المستعاذ منها [2] ، قال الرازي:"واعلم أن لهذه السورة لطيفة أخرى: وهي أن المستعاذ به في السورة الأولى - أي الفلق - مذكور بصفة واحدة، وهي أنه رب الفلق، والمستعاذ منه ثلاثة أنواع من الآفات، وهي الغاسق والنفاثات والحاسد، وأما في هذه السورة، فالمستعاذ به مذكور بصفات ثلاثة: وهي الرب والملك والإله، والمستعاذ منه آفة واحدة، وهي الوسوسة، والفرق بين الموضعين أن الثناء يجب أن يتقدّر بقدر المطلوب، فالمطلوب في السورة الأولى سلامة النفس والبدن، والمطلوب في السورة الثانية سلامة الدين، وهذا تنبيه على أن مضرة الدين، وإن قلّت أعظم من مضار الدنيا، وإن عظمت" [3] .

(الْوَسْوَاسِ) المراد بالوسواس: أ- الشيطان سُمّي بفعله مبالغة كأنه نفس الوسوسة؛ لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف عليه. ب- النفس الإنسانية التي توسوس لصاحبها. ج- قرناء السوء من الناس (شياطين الإنس) [4] ، ويشهد لهذا قول ابن تيمية:"والوسواس الخناس يتناول وسوسة الجنة، ووسوسة الإنس، وإلا أي معنى للاستعاذة من وسوسة الجن فقط، مع أن وسوسة نفسه، وشياطين الإنس هي مما تضره، وقد تكون أضر عليه من وسوسة الجن" [5] .

والاستعاذة وقعت من شرّ الوسواس، ولم يقل سبحانه وتعالى من شرّ وسوسته؛ وذلك لأن مآل الاستعاذة من الوسواس الاستعاذة من وسوسته، وقيل لتعم الاستعاذه شره جميعًا. (الْخَنَّاسِ) صيغة مبالغة من الخنوس أي: شديد الخنْس وكثيرُه، والمراد أنه صار عادة له، والخنس والخنوس: الرجوع والتأخر والاختفاء، والشيطان يلقب بالخناس؛ لأنه يتصل بعقل الإِنسان وعزمه من غير شعور منه، فكأنَّه خنس فيه، ولأن العبد إذا ذكر الله تعالى وتعوذ تأخر الشيطان ورجع عن الإضلال، ولأن خواطر الشر يَهمُّ بها صاحبها، فيُطْرِق، ويتردد، ويخاف تبعاتها، وتزجره النفس اللّوامة، أو يزَعه وازع الدين، أو الحياء، أو خوف العقاب عند الله، أو عند الناس، ثم تعاوده حتى يطمئن لها ويرتاض بها، فيصمم على فعلها، فيقترفها، فكأنَّ الشيطان يبدو له، ثم يختفي، ثم يبدو، ثم يختفي حتى يتمكن من تدليته بغرور، وأما إذا كانت النفس الإنسانية هي التي توسوس، فإنها تخنس وتنقمع بالإيمان، وبلمة الملك عند من أعين بتوفيق الله تعالى، وأما إذا كان قرناء السوء من الناس، وأهل المكر والكيد هم الموسوسون، فإنهم أيضًا يتصفون بالخنس؛ لأنهم يتحينون غفلات الناس، ويتسترون بأنواع الحيل لكيلا يشعر الناس بهم، ولأنهم يرون أنفسهم كالناصح المشفق، فإن قام من يستمع إليه بزجره، خنس، وترك الوسوسة، وإن قبل كلامه بالغ فيه [6] .

وقال سيد قطب معقبًا على وصف الوسواس بالخناس:"وهناك لفتة ذات مغزى في وصف الوسواس بأنه الخناس؛ فهذه الصفة تدل من جهة على تخفيه واختبائه حتى يجد الفرصة سانحة، فيدب ويوسوس، ولكنها من جهة أخرى توحي بضعفه أمام من يستيقظ لمكره، ويحمي مداخل صدره، فهو سواء كان من الجنة أم كان من الناس إذا ووجِه خنس، وعاد من حيث أتى، وقبع واختفى، ... ، وهذه اللفتة تقوي القلب على مواجهة الوسواس، فهو خناس ضعيف أمام عدّة المؤمن في المعركة، ولكنها من ناحية أخرى معركة طويلة لا تنتهي أبدًا، فهو أبدًا قابع خانس، مترقب للغفلة، واليقظة مرة لا تغني عن اليقظات، والحرب سجال إلى يوم القيامة كما صورها القرآن الكريم في مواضع شتى" [7] .

ووُصِفَ الوسواس الخناس بالذي يوسوس في صدور [8] الناس؛ لتقريب تصوير الوسوسة من أجل أن يتقيها الشخص إذا اعترته لخفائها، وذلك بتبيين مكان إلقاء الوسوسة؛ وهو صدور الناس وبواطنهم، فعبّر بها عن الإِحساس النفسي، فغاية الوسواس من وسوسته أن يقوم ببثّها في نفس المشبوك في فخّه، فوسوسة الشياطين اتصالات جاذبية النفوس نحو دَاعية الشياطين، ووسوسة الشيطان تكون في صدور الناس حقيقة، وأما وسوسة الناس، فإنها تكون سببًا لوقوع أثرها في الصدور، وقوله تعالى (من الجنة والناس) "مِن"بيانية بيّنت الذي يوسوس أنّه ضربان: جني وإنسي كما قال عز وجل (شياطين الإنس والجن) [الأنعام، آية 112] ، قال ابن عاشور:"ووجه الحاجة إلى هذا البيان خفاءُ ما ينجرّ من وسوسة نوع الإِنسان؛ لأن الأمم اعتادوا أن يحذرهم المصلحون من وسوسة الشيطان، وربما لا يخطر بالبال أن من الوسواس ما هو شر من وسواس الشياطين، وهو وسوسة أهل نوعهم، وهو أشد خطرًا، وهم بالتعوذ منهم أجدر؛ لأنهم منهم أقرب، وهو عليهم أخطر، وأنهم في وسائل الضر أدخل وأقدر" [9] .

(1) انظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 6/ 399 - 400، والطبري، جامع البيان، 26/ 157، والبقاعي، نظم الدرر، 7/ 255، والماوردي، النكت والعيون، 5/ 346 - 347، وابن عاشور، التحرير والتنوير، 26/ 299 - 301، وطنطاوي، التفسير الوسيط، 13/ 341، والنفراوي، الفواكه الدواني، 1/ 49.

(2) انظر: البيضاوي، أنوار التنزيل، 9/ 609 - 610، وأبو السعود، إرشاد العقل السليم، 5/ 916.

(3) التفسير الكبير، 32/ 199.

(4) انظر: ابن عاشور، التحرير والتنوير، 15/ 633 - 634، وابن عطية، المحرر الوجيز، 15/ 613 - 614، وأبو السعود، إرشاد العقل السليم، 5/ 916، والزمخشري، الكشاف، ص 1230 - 1231، والبيضاوي، أنوار التنزيل، 9/ 609 - 610، والرازي، التفسير الكبير، 32/ 198 - 199، وابن القيم، التفسير القيم، ص 600 - 609.

(5) مجموع فتاوى ابن تيمية، 17/ 510 - 511.

(6) انظر: ابن عاشور، التحرير والتنوير، 15/ 633 - 634، وابن عطية، المحرر الوجيز، 15/ 613 - 614، وأبو السعود، إرشاد العقل السليم، 5/ 916، والزمخشري، الكشاف، ص 1230 - 1231، والبيضاوي، أنوار التنزيل، 9/ 609 - 610، والرازي، التفسير الكبير، 32/ 198 - 199، وابن القيم، التفسير القيم، ص 600 - 609.

(7) في ظلال القرآن، 6/ 4011.

(8) قال جواد بحر النتشة في تعريفه للصدر:"هو ذلك المعنى المؤثر والمتأثر الكائن في الذات الداخلية الإنسانية الحالّ بالصدر الحسي، والذي من شأنه أن يتسع لبعض ما يتحرك في النفس من المعاني، ويستقر بداخله القلب، ويتخصص بخزن الأسرار النفسية، وله تخصص ما بمشاعر الضيق والانشراح"، والصدر ميدان تجول فيه الخواطر والوساوس في طريقها إلى القلب. عالم الأنفس. ص 61، 74.

(9) التحرير والتنوير، 15/ 635.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت