الصفحة 29 من 95

آخر الأمر أن هذه القصة كالتنبيه على أنه لا دافع لقضاء الله ولا مانع منه، وأن الدليل وإن كان في غاية الظهور ونهاية القوة، فإنه لا يحصل النفع به إلا إذا قضى الله تعالى ذلك وقدّره" [1] ."

الآية الثالثة: وردت في سورة ق آية رقم (16) ، قال عزّ مِن قائل: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} .

سبقت هذه الآية آيات تتحدّث عن إنكار الكفار للبعث، وذكره تعالى ما يدل على قدرته على إعادة الإنسان بعد موته، وأنه سبحانه وتعالى لم يعجز عن خلقه، فكيف يعجز عن إعادة خلقه، ويخبر سبحانه وتعالى في هذه الآية عن قدرته على الإنسان بأنه خالقه، وأن علمه محيط بجميع أموره حتى إنه تعالى يعلم ما توسوس به أي تحدّث به نفوس بني آدم من الخير والشر، قال الماوردي: الوسوسة هي كثرة حديث النفس بما لا يتحصّل في خفاء وإسرار، وقال الأجهوري: وسوسة النفس ما يخطر ببال الإنسان ويهجس في ضميره من خير أو شر، وإن غلب استعمالها في الشر، وقال ابن عاشور: أصل الوسوسة الصوت الخفي، وأطلقت مجازًا هنا على ما يجول في النفس من الخواطر والتقديرات والعزائم؛ لأن الوسوسة أقرب شيء تشبّه به تلك الخواطر، وأحسن ما يستعار لها؛ لأنها تجمع مختلف أحوال ما يجول في العقل من التقادير، وما عداها من نحو ألفاظ التوهّم والتفكّر إنما يدل على بعض أحوال الخواطر دون بعض. (مَا توسوس به نفسه) أي: ونعلم الأمر الذي تحدّثه نفسه به، ثم لما كان العالم بالشيء كلما كان قريبًا منه، كان علمه به أثبت وأمكن، قال سبحانه ممثّلًا لعلمه، ومصوّرًا له بما نعلم أنّه موجبه (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) ؛ لأن أبعاض الإنسان وأجزاءه تحجب بعضها بعضًا، ولا يحجب علم الله شيء، أو يكون المعنى نحن أملك به، وأقرب إليه في المقدرة عليه. (مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) الحبل: واحد حِبال الجسم، وهي العروق الغليظة التي تُعرَف في الطبّ بالشرايين، واحدها شَرْيان أو شِريان، وتعرف بالعروق الضوارب , ومنبتها من التجْويف الأيسر من تجويفي القلب، وتقوم الشرايين بتوصيل الدم من القلب إلى أهم الأعضاء الرئيسة في الجسم كالرئة والدماغ والنخاع والكليتين والمعدة والأمعاء، وللشرايين أسماء باعتبار مصابِّها من الأعضاء الرئيسية، والوريد: واحد من الشرايين، وهو ثاني شريانين يخرجان من التجويف الأيسر من القلب، واسمه الطبي هو الأورطِي، ويتشعّب إلى ثلاث شعب ثالثتهما تنقسم إلى قسمين أكبر و أصغر، والأصغر يخرج منه شريانان يسميان السباتِي، ويصعدان يمينًا ويسارًا مع الودَجين، وكل هذه الأقسام تسمى الوريد، وفي الجسد وريدان وهما عرقان يكتنفان صفحتي العنق في مقدمهما متصلان بالوَتين يَرِدان من الرأس إليه، وسمي الوريد وريدًا؛ لأنّه يرد إلى القلب محمّلًا بالدم الذي يحتوي على غاز ثاني أكسيد الكربون، وأما إضافة حبل إلى الوريد إن اعتبرنا الحبل أعم والوريد أخص، فهي بيانية أي: الحبل الذي هو الوريد؛ حيث إن إضافة الأعم إلى

(1) التفسير الكبير، 22/ 126.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت