مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) أي: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تكونا ملكين، أو تكونا من الخالدين في الجنة الماكثين فيها أبدًا، فلا تموتا [1] ، وفي عطف جملة (وقال ما نهاكما) على جملة (فوسوس) إشعار بأنّ آدم وزوجه تردّدا في الأخذ بوسوسة الشّيطان، فأخذ الشيطان يراودهما كما قال ابن عاشور [2] .
الآية الثانية: وردت في سورة طه آية رقم (120) ، قال عزّ مِن قائل:
{فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} .
وردت هذه الآية بعد أمره سبحانه وتعالى للملائكة بالسجود لآدم، وامتثالهم لأمره ما عدا إبليس، فأخبر الله تعالى آدم وزوجته حواء بعداوة إبليس لهما، وحذرهما أن يسعى في إخراجهما من الجنة، فينال آدم التعب والشقاء في طلب الرزق؛ حيث إنه في الجنة في عيش رغيد هنيء لا كلفة ولا مشقّة [3] . (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ) أي: أنهى إليه الوسوسة حيث إن وسوس إذا عُدِّي بـ (إلى) ضُمِّن معنى الإنهاء. (قَالَ) إمّا بدل من وسوس، وإما استئناف وقع جوابًا عن سؤال نشأ منه، كأنّه قيل: فماذا قال له في وسوسته؟. فقيل: قال (قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ) حيث ناداه باسمه؛ ليكون أقبل عليه، وأمكن للاستماع، ثم عرض عليه ما عرض على سبيل الاستفهام الذي يشعر بالنصح، ويؤثر قبول من يخاطبه. (عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ) على شجرة إن أكلت منها بقيت مخلّدًا، (وَمُلْكٍ لا يَبْلَى) لا يبيد ولا يفنى، أو لا يصير باليًا خَلِقًا، قيل: إن هذا من لوازم الخلود، فذكره للتأكيد وزيادة الترغيب [4] .
وجاء في تفسير الرازي تعقيب على هذه الآية فيه:"واعلم أنّ واقعة آدم عجيبة؛ وذلك لأن الله تعالى رَغّبَه في دوام الراحة وانتظام المعيشة بقوله (فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى* إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تضحى) [سورة طه، الآيات 117 - 119] ، ورغّبه إبليس أيضًا في دوام الراحة بقوله (هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد) ، وفي انتظام المعيشة بقوله (وَمُلْكٍ لاَّ يبلى) ، فكان الشيء الذي رغّب الله آدم فيه هو الذي رغّبه إبليس فيه، إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراس عن تلك الشجرة، وإبليس وقفه على الإقدام عليها، ثم إن آدم عليه السلام مع كمال عقله، وعلمه بأن الله تعالى مولاه وناصره ومربيه أعلمه بأن إبليس عدوّه حيث امتنع من السجود له، وعرّض نفسه للعنة بسبب عداوته كيف قبل في الواقعة الواحدة والمقصود الواحد قول إبليس مع علمه بكمال عداوته له، وأعرض عن قول الله تعالى مع علمه بأنه هو الناصر والمربي؟ ومن تأمل في هذا الباب طال تعجّبه، وعرف"
(1) انظر: ابن جرير، جامع البيان، 5/ 140 - 141، وابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 3/ 153، والبغوي، معالم التنزيل، 2/ 271، والآلوسي، روح المعاني، 8/ 98 - 99، وابن عطية، المحرر الوجيز، 5/ 456 - 457.
(2) التحرير والتنوير، 8/ 58.
(3) انظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 4/ 541 - 542.
(4) انظر: البغوي، معالم التنزيل، 4/ 20 - 21، والآلوسي، روح المعاني، 16/ 273 - 274، وأبو حيان، البحر المحيط، 6/ 264.