الصفحة 61 من 95

خامسًا: تخفيف الفعل ...

كان الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- يصونون أنفسهم من وساوس الشيطان في الصلاة -وإن لم تصل إلى مرحلة مرضية قهرية- يصونونها بتخفيف الصلاة والسرعة في أدائها من دون الإخلال بواجباتها وأركانها وسننها، من أجل الانتهاء من الصلاة قبل أن يدخل الشيطان عليهم بوساوسه، ويؤدي بهم إلى السهو والشك، فعن أبي رجاء قال: رأيت الزبير بن العوام صلى صلاة خفيفة، فقلت: أنتم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخف الناس صلاة؟. قال: إنا نبادر هذا الوسواس [1] . ... وعن أبي مِجْلَز قال: كانوا [أي الصحابة] يتمون، ويُوجزون، ويبادرون الوسوسة [2] .

وقد ذكر الحافظ العراقي أن التطويل في الصلاة مكروه إذا أدى إلى السهو، ثم قال:"ويوافق هذا ما تقدم عن غير واحد من الصحابة من تعليل تخفيف الصلاة بمبادرة الوسواس، وعلى هذا فيختلف القِصَر والتطويل باختلاف عادة الناس في مبادرة الوسوسة إليهم وتأخره عنهم، فمن كان سريع الوسواس لا يطوِّل، ومن كان بطيء الوسواس طوَّل، والله أعلم" [3] . ...

وإذا كان التخفيف قد ورد في شأن الصلاة، فلا مانع من الاستفادة من هذه الطريقة الوقائية في سائر الأمور، فيمكن لمن خشي أن يوسوس في أمر من الأمور أن يخففه ويسرع في إنجازه، حتى لا يدع مجالًا للوسوسة والشك بالدخول إليه ... . ...

سادسًا: التسلح بالعلم ...

حضّت الشريعة الإسلامية على التزود بالعلم، وورد في فضل العلم والعلماء الكثير من النصوص، وللعلم دور بارز في الوقاية من الوسواس؛ لأنه - في الأعم الأغلب- إنما يقع الموسوس فريسة الأفكار الوسواسية نتيجة جهله بما يتعلق بتلك الأفكار، فتظل تدور في ذهنه دون أن يجد حلًا منطقيًا لردها مع إحساسه بسخافتها إلى أن تقهره وتتغلب عليه، ويصبح من العسير عليه التخلص منها، فلو تمت مواجهة هذه الأفكار بسلاح العلم منذ البداية لما استطاعت الدخول إلى عقل الإنسان فضلًا أن تتحكم به وتقهره.

ويلاحظ على أسئلة الموسوسين أن الفكرة الوسواسية الأولى -في أي مجال كان- تقوم في بدايتها على شبهة منطقية يمكن الرد عليها، وبيان فسادها بأدلة عقلية أو نقلية، ولكنها تتطور في نفس موضوعها لتشتمل على أفكار سخيفة المضمون لا تستند إلى أي دليل، ولا يمكن البرهنة عليها بالأدلة، فمثلًا، في الوساوس المتعلقة بالعقيدة تأتي فكرة"مَنْ خلقَ اللهَ تعالى"إلى الذهن، وهذا سؤال كثير الورود له ما يرده من الأدلة العقلية المنطقية وغيرها، فإذا لم يستطع الموسوس معرفة الأدلة تضخمت هذه الفكرة وتطورت واستحكمت في الذهن على شكل أفكار غير منطقية تتعلق بالذات الإلهية ليس لها دواء غير الإعراض عنها، وهكذا الأمر بالنسبة لوساوس الطهارة، والصلاة، وغيرها.

(1) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الصلاة، باب التخفيف في الصلاة، أثر رقم (4666) . المصنف، 1/ 406.

(2) أخرجه عبد الرزاق، كتاب الصلاة، باب التخفيف في الصلاة، أثر رقم (4673) . المصنف، 1/ 406.

(3) العراقي، طرح التثريب، 2/ 353.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت