مثال: هناك قاعدة تُعرَف باليقين لا يزول بالشك، فإذا جهلها الشخص أو جهل معناها، والْتَبَسَت عنده بمعنى الاحتياط والورع، وجدناه يجهد نفسه بترك كل ما ورد إليه الشك - بدليل أو بغير دليل-، ويبطل أعماله دون موجب، وهو يظن أن ما يفعله هو من الاحتياط، وترك ما يَرِيب، فنجده يتوضأ لأي إحساس بخروج شيء منه، ولا يعلم أن وضوءه المتيقن، لا ينتقض بمجرد طروء الشك فيه، إذ لا بدّ من وجود ناقض متيقن، وهذا النوع إذا ما نبهته على حكم مسألة يوسوس فيها، تركها بصعوبة بالغة؛ لأن تركها يعارض الأصل المعرفي المختل عنده، وتراه ينتقل إلى فكرة وسواسية أخرى تتناسب مع ذلك الأصل المختل، وعبثًا تحاول قصره عن وسواسه، إن لم تصحح المفهوم الكلي المختل عنده، والذي أصبح طريقة راسخة للتفكير والمحاكمة، ولعل سبب هذا النوع من الجهل راجع إلى الطريقة التربوية التي خضع لها الموسوس، أو إلى الخبرات التي مرّ بها.
وبناء على ما سبق، فإن الموسوس لا يلام إلا على تسببه بمرض حصل له نتيجة اتباع الشيطان بسبب جهل غير معذور فيه بأن يُقصّر في طلب التعليم مع وجود من يعلمه ويرشده.
ب- اعتلال العقل وأثره في الوسوسة: ...
من أسباب التمادي في الوساوس الدينية التي ذكرها الفقهاء غير الجهل في الدين وجود خبل في العقل، أو نقص في غريزته، أو هوس.
وهذه العبارات التي ذكروها تشير إلى وجود مشكلةٍ ما في عقل الشخص الموسوس تساعد على تمكّن هذه الوساوس واستمرارها، وهذه المشكلة التي افترض الفقهاء وجودها في عقل الموسوس هي التي سيفسرها الأطباء النفسيون، وسأبين ذلك عندما أذكر التوفيق بين الأسباب التي ذكرها الفقهاء، والأسباب التي ذكرها الأطباء النفسيون.
ثانيًا: الأسباب التي ذكرها الأطباء النفسيون ...
أهل الاختصاص في علم النفس لا يذكرون لمرض الوسواس القهري سببًا جوهريًا معينًا عليه مداره، ولكنهم متفقون على بعض الأسباب المهمة التي وجدوا لها علاقة بالإصابة بالمرض [1] ، وفيما يأتي عدد من الأسباب التي أرجع إليها الأطباء سبب الإصابة بالوسواس القهري:
1 -ينتج مرض الوسواس القهري بسبب زيادة معدلات النشاط في مناطق من المخ هي قشرةُ المخ الحجاجية الأمامية Orbitofrontal Cortex ، والنواةُ المذيلةُ وبصفةٍ خاصةٍ الجزء البطني الوسطي من النواة المذيلةِ Ventromedial Caudate Nucleus .
حيث إن قشرةُ المخ الحجاجية الأمامية الموجودةُ مباشرةً خلف الحاجبين مسؤولة عن إدراك الخوف والخطر، وأما النواة المذيلة، وهي واحدة من محاور الاتصال في المخ، فهي مسؤولة عن قدرة الإنسان على بدءِ أو وقفِ الأفكار والأفعال المختلفة، وقد أظهرت الدراسات ما يشير إلى وجود خلل في أداء هذه
(1) انظر موقع: http://arb3.maktoob.com/vb/arb291893 ، وموقع: http://ar.wikipedia.org/wiki ، وموقع: http://www.7btin.com/vb/t9056.html