أولًا: الأسباب التي ذكرها الفقهاء
الفقهاء كما هو معروف مهمتهم القيام ببيان حكم الشرع في أفعال المكلفين، ولما كانت الوساوس التي تعرض عليهم تختص بجانب الدين، فإنهم ذكروا أن من أسباب قبول الوساوس الدينية، والتمادي فيها: الجهل بالدين، والخبل في العقل، فقد جاء في مواهب الجليل:"قال الشيخ زروق: قال بعضهم الوسوسة بدعة أصلها جهل بالسنة، أو خبال في العقل، ثم قال: قال بعض مشايخ الصوفية: لا تعتري الوسوسة إلا صادقًا؛ لأنه يحدث من التحفُّظ في الدين، ولا تدوم إلا على جاهل، أو مهووس؛ لأن التمسك بها من اتباع الشياطين" [1] .
وجاء في المجموع عن إمام الحرمين"والوسوسة مصدرها الجهل بمسالك الشريعة، أو نقصان في غريزة العقل" [2] .
وقال ابن حجر الهيتمي:"وبه تعلم صحة ما قدمته أن الوسوسة لا تسلط، إلا على من استحكم عليه الجهل والخبل، وصار لا تمييز له، وأما من كان على حقيقة العلم والعقل، فإنه لا يخرج عن الاتباع، ولا يميل إلى الابتداع، وأقبح المبتدعين الموسوسون" [3] .
وفيما يأتي الحديث عليها بشيء من التفصيل [4] :
أ - الجهل في الدين وأثره في الوسوسة:
قبل الشروع في الحديث عن الجهل، وأثره في الوسوسة لا بدّ من تعريف الجهل في اللغة، وفي الاصطلاح، فالجهل في اللغة: نقيض العلم [5] ، وفي الاصطلاح:"اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه" [6] .
وأما أثره في الوسوسة، فإن له أثرٌ واضحٌ في قبول الوساوس، وصعوبة التخلص منها، حيث إنه ينقسم إلى قسمين هما ...:
الأول: الجهل بالفروع والأحكام الشرعية الجزئية، أي: أن الجهل يكون في مسألة شرعية بعينها أو أكثر، وليس في القواعد الشرعية الكلية التي ينتظم تحتها عدد كبير من المسائل.
مثال: الموسوس يعلم أن الله تعالى لم يجعل علينا في الدين من حرج، ولكنه مع ذلك يظن أن أثر المضمضة في الفم يفطّر الصائم، فيظل يجفف فمه بعد المضمضة بطريقة وسواسية واضحة، خوفًا من أن يبطل صيامه، ولا يدري أن الأثر المتبقي بعد إخراج الماء من الفم لا يفسد الصيام، وهذا النوع غالبًا ما تزول وسوسته بمجرد معرفته لحكم المسألة. ...
الثاني: الجهل بالأصول والقواعد الشرعية الكلية التي تضم تحتها عددًا كبيرًا من المسائل الجزئية.
(1) الحطاب، 1/ 258.
(2) النووي، 1/ 207.
(3) الفتاوى الكبرى الفقهية، 1/ 150.
(4) انظر موقع: مجانين بحث بعنوان (منهج الفقهاء في التعامل مع الوسواس القهري وقاية وعلاجًا) للأستاذة رفيف الصباغ.
(5) انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة (جهل) .
(6) الجرجاني، التعريفات، ص 80.