الصفحة 41 من 95

فالوساوس القهرية التي تحصل مع المسلمين، إما أن تكون في الأمور الدينية، والأحاديث تصرّح بكونها من الشيطان، وإما أن تحصل مع المسلم في الأمور غير الدينية كوسواس النظافة، وغيرها من الوساوس، وهذه لا مانع أبدًا من كون الشيطان سببًا لها، لما فيها من شُغْل المسلم، وصَدِّه عما ينفعه في دينه، ودنياه، وذلك بإضاعة وقته فيما لا ينفع، هذا بالإضافة إلى أن من أهداف الشيطان إدخال الحزن والنكد على قلوب المؤمنين، والوساوس تُدخِل على القلب من الأحزان ما لا يعلمه إلا الله، ومن الممكن أن يكون هذا أحد أسباب إصابة الموسوس بالاكتئاب. ...

وأما التي تحصل مع غير المسلمين، فهذه أيضًا لا مانع أن يكون للشيطان دخل فيها بدليل أن الشيطان يتسلط على غير المسلم بأمره بالمعاصي زيادة على إضلاله وصدِّه عن الإسلام: بدليل قوله تعالى في سورة النساء [119] حكاية عن إبليس (وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّه) ، فقد صرح إبليس أن عادة الكفار في الجاهلية في التعبّد بتقطيع آذان البَحِيرة (الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرًا) صرّح بأنها من أوامره، وهذه معصية زائدة على الكفر، فالشياطين لا تكتفي بالقيام بإضلال الكافر، بل إنها تغريه بفعل المعاصي وتحرضه عليها، فإذا ثبت تسلط الشيطان على غير المسلم بالمعاصي، فلا مانع من تسلطه عليه بسائر الوساوس -المتعلقة بدينه وغيرها-؛ لأنه إن كان قطع الوسوسة واجب، فإن الاشتغال بها، والقعود عن أخذ الأسباب لقطعها من المعاصي، وهي ترى أن الوسوسة من طرق الإضلال؛ لأنها تشغل العقل عن الاستدلال على الله تعالى [1] .

بعد استعراض الأقوال في المسألة أقول - والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم: مرض الوسواس القهري مصدر الفكرة الوسواسية فيه من الشيطان، وهو يتطلب استعدادًا بيولوجيًا لدى المرء كي يصاب به، وهو ابتلاء من الله سبحانه وتعالى يبتلي به من يشاء، وفقهاء المسلمين على الرغم من أنهم ليسوا أطباءً نفسيين، إلا أنهم أشاروا كما تقدم إلى أن الشيطان هو مصدر الفكرة الوسواسية في المرض، وأن الوسوسة لا تدوم إلا على جاهل، أو مهووس، أو على من عنده نقص في غريزة العقل، أو خبل في العقل، وهم وإن حكموا من حيث الظاهر لهم من أفعال الموسوسين التي تبدو قريبة من الجنون، إلا أن ما قالوه يفسّر في الطب النفسي الحديث بوجود اختلال في الناقلات العصبية في دماغ المصاب بمرض الوسواس القهري كما سيأتي.

بقي أمر تجدر الإشارة إليه هو: هل الوسواس القهري قسيم لوساوس النفس والشيطان، أم هو قسم من وساوس الشيطان؟. وإذا كان كذلك فهل يدخل تحت الوسواس الخناس المطلوب الاستعاذة منه في سورة الناس؟.

الجواب: يمكن اعتبار الوسواس القهري قسمًا من وسوسة الشيطان، حيث يمكن تقسيم وساوس الشيطان إلى: وساوس بسيطة؛ وهي التي تعتري الناس العاديين، ولا تسبب لهم أي قلق نفسي، كما يحدث في

(1) انظر موقع: مجانين بحث بعنوان (منهج الفقهاء في التعامل مع الوسواس القهري وقاية وعلاجًا) للأستاذة رفيف الصباغ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت