هندي:"يمكنُ أن يكونَ للشيطان دورٌ في بداية الوساوس في بعض الحالات، وهناكَ من يستطيعُ التغلب على هذه الفكرة التسلطية بالاستعاذة بالله، وبآليات صرف الانتباه التي أمرنا بها سيد الخلق -عليه الصلاةُ والسلام-، وهناكَ من تجدُ الوساوس في تكوين دماغه استعدادًا للإصابة باضطراب الوسواس القهري، فيصابَ به، أليست نتيجةُ الأفكار التسلطية والأفعال القهرية في أبسط صورها هيَ شغل الإنسان عن ما يفيدُهُ في دنياه وأُخراه، أليسَ ذلك جوهرُ ما يفعلهُ الشيطان ... ولكنَّ هذا لا يعني بحالٍ من الأحوال أن الوسواس القهري هو الوسواس الخناس، أو أنهُ كله من الشيطان، فالوساوس حسب الفهم الإسلامي ثلاثةُ أنواعٍ؛ هيَ: وسواس النفس، ووسوسةُ الشيطان؛ أي: الوسواس الخناس، والوسواس القهري، وكل نوع من هذه الأنواع الثلاثة مستقلٌّ في الأساس ... ، ولا تسمَّى فكرةٌ ما بالفكرة التسلطية إلا إذا ثبتَ أن الاستعاذةَ بالله من الشيطان الرجيم لا تفيدُ في منعها، ومن المهم أن أنبه هنا إلى أن دورَ الشيطان هذا الذي أقولُ باحتمالية وجوده في بداية الوساوس ليسَ إلا دورًا في بدايتها، ولكن كل ما بعد ذلك -وإن كانَ لا يخرجُ عن إرادة الله طبعًا- إنما يتمُّ وفق استعداد بيولوجي في دماغ المريض، أما معظمُ الناس فهم كما ذكرتُ من قبل يستطيعونَ التغلبَ على وسوسة الشيطان بالاستعاذة بالله منه، وأكررُ مرةً أخرى أن الوساوس التي أمرنا الله والرسول - عليه الصلاةُ والسلامُ - بمواجهتها هيَ وساوس الشيطان؛ أي: الوسواس الخناس الذي يختفي كلما ذكرَ اسمُ الله، ووساوسُ النفس، وكلاهما يقعُ داخلَ حدود مقدرة الإنسان على التخلص منها بينما الوسواس القهري ليس كذلك، وأذكرُ القارئَ بما أكدناه أكثر من مرةٍ، وهو أنَّ كلَّ وساوس النفس ووساوس الشيطان إنما تصول وتجولُ داخل حدودِ مقدرة الإنسان بمعنى أنه يستطيع التعامل معها، والتحكم فيها سواءً بذكر الله، أو التعوذِ به، أو قراءة القرآن الكريم، أو بزيادة تمسكه والتزامه بشعائر دينه إلى آخرِ الوسائل الدينية لتهذيب النفوس وتقويمها، بينما الوسواس القهري ليس كذلك حتى وإن قلنا باحتمالية وجود دورٍ للشيطان في بداية حدوث الأفكار الاقتحامية في اضطراب الوسواس القهري؛ لأننا وضعنا هذا الفرض لتفسير مصدر الفكرة الاقتحامية الأولية فقط، لكنَّ إصابةَ المريض باضطراب الوسواس القهري راجعةٌ إلى استعداد في تركيبة المخ البشري نفسه في ذلك المريض، والمقصودُ هنا هوَ إلقاءُ الفكرةِ الاقتحامية والهربُ بعد ذلك أي أن الشيطانَ هنا يلقي الفكرةَ الاقتحاميةَ ويهرب" [1] .
5 -وأما أ. رفيف الصباغ [2] ، فقد وافقت أ. د وائل أبو هندي على قوله ما عدا اعتباره أن الشيطان يوسوس في بداية بعض الحالات، خاصة التي تتعلق بالوساوس الدينية عند المسلمين، وهي ترى أن الأحاديث النبوية التي تحدثت عن الوسوسة كانت الوساوس التي تذكرها هي وساوس دينية، وليس في الأحاديث ما يدل على حصر جميع أنواع الوساوس بسبب فعل الشيطان، وعلى الرغم من ذلك، فإنه ليس من المانع - شرعًا وعقلًا- أن يكون للشيطان دخل في الوساوس غير الدينية، وفي الوساوس التي تحصل مع غير المسلمين، أي أن الوساوس القهرية تحصل مع المسلمين، ومع غير المسلمين.
(1) انظر موقع: مجانين مقال بعنوان (ما هو مصدر الفكرة التسلطية(الوسواسية) الأولى).
(2) إلى تاريخ كتابة بحثها عن منهج الفقهاء في التعامل مع الوسواس القهري كانت طالبة دكتوراة في الفقه الإسلامي في سوريا.