وأخبر أن تشديد العبد على نفسه هو السبب لتشديد الله عليه إما بالقدر، و إما بالشرع. ...
فالتشديد بالشرع: كما يشدد على نفسه بالنذر الثقيل، فيلزمه الوفاء به، وبالقدر كفعل أهل الوسواس، فإنهم شددوا على أنفسهم، فشدد عليهم القدر حتى استحكم ذلك، وصار صفة لازمة لهم ... .
فمن أراد التخلص من هذه البلية، فليستشعر أن الحق في اتباع رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- في قوله وفعله، وليعزم على سلوك طريقة عزيمة من لا يشك أنه على الصراط المستقيم، وأن ما خالفه من تسويل إبليس ووسوسته، ويوقن أنه عدو له لا يدعوه إلى خير ... ولينظر أحوال السلف في متابعتهم لرسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم-، فليقتد بهم وليختر طريقهم" [1] ."
ب- العمل بكل ما يَطْرُق الذِّهْن ويتخيّله الوهم، والخاطر غير المستقر الذي يجري في الذهن بلا اختيار، ومن نصوص العلماء التي تدل على هذا المعنى:
ما قاله المازري المالكي:"الخواطر على قسمين، فالتي لا تستقر، ولا يجلبها شبهة هي التي تندفع بالإعراض عنها، ... ، وعلى مثلها ينطلق اسم وسوسة" [2] .
وما جاء في الفتاوى الكبرى الفقهية - من كتب الشافعية -"هو العمل بكل ما طرق الذهن، أو يتخيله الوهم، وهذا هو الذي أقام الأئمة النكير على فاعله، وأكثروا من ذمه وتقبيح طريقه وذم ما هو عليه، بل شبه بعضهم من هذه طريقته بقوم من كفار الهند المتغالين في كفرهم حتى أنكروا جميع الحقائق الموجودة المشاهدة بالحس، وقالوا إنها كلها خيال وباطل" [3] .
وجاء فيها أيضًا"وبالجملة هو داء عضال قَلّ من يقع في ورطته، وينجو منها، والجنون دونه بكثير، فإنه يُنْحِل البدن ويُذْهِب العقل، بل والإدراك والفهم، ويصير المبتلى به كالبهيمة لا يهتدي لخيرٍ قط" [4] .
وفيها أيضًا قال أبو الفتوح العجلي الشافعي:"الوسوسة تقدير ما لم يكن إن لو كان كيف يكون، ثم يحكم بكونه كائنًا حتى يكون الواجب غسله عنده"أي: أن الموسوس يقدر ما لم يكن كائنًا، ثم يحكم بحصوله مثال: كأن يتوهم وقوع نجاسة بثوبه، ثم يحكم بوجودها من غير دليلٍ ظاهرٍ [5] .
وما جاء في إعانة الطالبين - من كتب الشافعية-:"قوله"بوسواس قهري"، وهو الذي يطرق الفكر بلا اختيار" [6] .
ج- الوسوسة بمعنى كثرة الشك وغلبته، واستنكاح الشك:
ومن نصوص العلماء التي تتحدث عن هذا المعنى:
(1) إغاثة اللهفان، ص 131 - 132، 135 - 136.
(2) ابن حجر، فتح الباري، 6/ 477.
(3) ابن حجر الهيتمي، 1/ 222.
(4) المصدر نفسه، 1/ 222.
(5) الفتاوى الكبرى الفقهية، 1/ 220.
(6) شطا الدمياطي، 1/ 247.