الصفحة 15 من 95

الخامس: تسمية من أصابه الشيطان بالمسّ (الممسوس) موسوسًا، فقد جاء في كشف الأسرار عند الحديث عن الأسباب المهيجة للجنون"والأسباب المهيجة له، إما نقصان جُبِل عليه دماغه، وطبع عليه في أصل الخِلْقة، فلم يصلح لقبول ما أعد لقبوله من العقل كعين الأكْمَه، ولسان الأخرس، وهذا النوع مما لا يرجى زواله، ولا منفعة في الاشتغال بعلاجه، وإما معنى عارض أوجب زوال الاعتدال الحاصل للدماغ خلقة إلى رطوبة مفرطة، أو يبوسة متناهية، وهذا النوع مما يعالج بما خلق الله تعالى لذلك من الأدوية، وفي النوعين يتيقن بزوال العقل لفساد أصلي، أو عارض في محله، كما يتيقن بزوال القوة الباصرة عن العين العمياء لفساد فيها بأصل الخلقة، أو بعارض أمر أصابها، وإما استيلاء الشيطان عليه، فيخيله الخيالات الفاسدة، ويفزعه في جميع أوقاته، فيطير قلبه، ولا يجتمع ذهنه، مع سلامة في محل العقل خلقة، وبقائه على الاعتدال، ويسمى هذا المجنون ممسوسًا لتخبط الشيطان إياه، وموسوسًا لإلقائه الوسوسة في قلبه، ويعالج هذا النوع بالتعاويذ والرقى، وفي هذا النوع لا يُحكَم بزوال العقل" [1] .

السادس: أ- المبالغة في الورع والاحتياط، حتى يخرج المرء من حدّ الورع إلى ما ليس منه، وهو التشدد في الدين، والخروج عن سماحته ويسره، وعن مسلك السلف الصالحين [2] .

ومن نصوص العلماء التي تتحدث عن هذا المعنى:

قول ابن دقيق العيد:"وأما إن جَوّز نقيض ما ترجّح عنده بأمر موهوم لا أصل له، كترك استعمال ماءٍ باقٍ على أوصافه؛ مخافة تقدير نجاسة وقعت فيه، أو كترك الصلاة في موضعٍ لا أثر فيه؛ مخافة أن يكون فيه بول قد جف، أو كغسل ثوبٍ؛ مخافة إصابة نجاسة لم يشاهدها، ونحو ذلك، فهذا يجب أن لا يلتفت إليه؛ فإن التوقف لأجل ذلك التجويز هوس، والورع منه وسوسة شيطان إذ ليس فيه من معنى الشُّبَه شيء" [3] .

وقول ابن القيم:"وهذا الصراط المستقيم الذي وصانا باتباعه هو الصراط الذي كان عليه رسول الله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- وأصحابه، وهو قصد السبيل، وما خرج عنه، فهو من السبل الجائرة، وإن قاله مَن قاله، لكن الجور قد يكون جورًا عظيمًا عن الصراط، وقد يكون يسيرًا، وبين ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله، وهذا كالطريق الحسي؛ فإن السالك قد يعدل عنه، ويجور جورًا فاحشًا، وقد يجور دون ذلك، فالميزان الذي يعرف به الاستقامة على الطريق، والجور عنه هو ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عليه، والجائر عنه إما مفرط ظالم، أو مجتهد متأول، أو مقلد جاهل، فمنهم المستحق للعقوبة، ومنهم المغفور له، ومنهم المأجور أجرًا واحدًا، بحسب نياتهم ومقاصدهم واجتهادهم في طاعة الله تعالى ورسوله أو تفريطهم ... فنهى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم - عن التشديد في الدين، وذلك بالزيادة على المشروع،"

(1) البخاري، 4/ 264.

(2) انظر: النووي، المجموع، 1/ 207 - 208، وابن القيم، إغاثة اللهفان، 1/ 116، 126 فما بعدها، والموسوعة الفقهية الكويتية، 43/ 147.

(3) شرح الأربعين النووية، ص 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت