الصفحة 14 من 95

ومن كتب المالكية جاء في المنتقى"والموسوس والذي يغيب مرة بعد مرة سواء، رواه ابن المواز، قال: وقد قال مالك يؤجل الموسوس سنة، ووجه ذلك أن هذه معان يعدم معها العقل والمَيَز، فأشبهت الجنون" [1] .

وجاء في شرح مختصر خليل"وكذلك يُرَد الرقيق بوجود جنون بأحد أبويه إن كان بطبع من وسواس أو صَرَعٍ مُذْهِبٍ للعقل" [2] .

وجاء في شرح هذا النص"قوله (إن كان بطبع) أي إن كان بسبب الطَبْع أي الجِبِلَّة أي إن كان جِبِلِّيًا أي خَلْقيًا، وقوله (من وسواس) بيان للجنون الذي بسبب الخِلْقة، والوسواس بالفتح: مرض يحدث من غلبة السوداء، يختلط معه الذهن، قاله في المصباح، وقوله (أو صرع) هو داء يشبه الجنون، قاله في المصباح، فإذا علمته، فيكون الشارح تسمح في جعله من أفراد الجنون، والحاصل أن الوسواس والصرع مرضان يختلط معهما الذهن، فيكون قوله"من وسواس إلخ"بيانًا لقوله جنون" [3] .

وقال السيوطي من الشافعية:"فإن اللمم الذي ذكره أنس [ (إنما كره البول في المغتسل مخافة اللمم) [4] ]هو الوسواس بعينه، وذلك طرف من الجنون، فإن الذي يُسمّى في لغة العرب الوسواس هو الذي في لغة اليونان الماليخوليا، وهي عبارة عن: فساد الفكر [5] ، وقد كثر في أشعار العرب، والأحاديث، والآثار إطلاق الوسواس مرادًا به ذلك" [6] .

والماليخوليا الذي ذكره السيوطي، ويُعرف أيضًا باسم المالنخوليا، أو المرض السوداوي هو:"ذُهان من أهم أعراضه الاكتئاب، وهبوط النشاط الحركي، وانعدام الاهتمام بالعالم الخارجي، والأرق، ورفض الغذاء، وطلب الانتحار يعتبر أحد جانبي الذهان الدوري المعروف بذهان الهوس والاكتئاب" [7] ، والذهان في الطب النفسي هو الجنون، وهو عبارة عن"حالة اضطراب عقلي يتميز بظهور أعراض الهلاوس والضلالات، وعدم ملاءمة الاستجابات الانفعالية لمقتضى الحال، مع اضطراب عمليات الإدراك والتفكير والانتباه" [8] ، والأمراض الذهانية تنقسم إلى قسمين: عضوية ووظيفية، ويعتبر الذهان الدوري من الأمراض الذهانية الوظيفية التي يحصل فيها اضطرابات في التفكير والسلوك والوجدان، لا يُعرَف لها أسباب عضوية تنشأ عنها، وفيها يعتل المريض اعتلالًا شديدًا؛ بحيث يصبح خطرًا على نفسه والمجتمع، ويعتبر الذهان الدوري الاكتئابي الانبساطي اضطرابًا عقليًا وجدانيًا تتأرجح فيه الشخصية بين المرح والاكتئاب [9] .

(1) الباجي، 4/ 121.

(2) الخرشي، 5/ 127.

(3) العدوي، حاشية العدوي، 5/ 127.

(4) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الطهارات، باب من كان يكره أن يبول في مغتسل، أثر رقم (1202) . المصنف، 1/ 106، وأخرجه عبد الرزاق بلفظ (البول في المغتسل يَأخًذً منه اللمم) ، كتاب الطهارة، باب البول في المغتسل، أثر رقم (979) . مصنف عبد الرزاق، 1/ 255.

(5) قال ابن سينا:"يقال مالنخوليا لتغير الظنون والذكر عن المجرى الطبيعي إلى الفساد، وإلى الخوف، والرداءة لمزاج سوداوي يوحش روح الدماغ من داخل، ويفزعه بظلمته". القانون في الطب، 2/ 65.

(6) السيوطي، شرح سنن النسائي، 1/ 35.

(7) خياط، معجم المصطلحات العلمية والفنية، ص 624.

(8) محمد، علم النفس الإسلامي، ص 123، وانظر: الرفاعي، الصحة النفسية، ص 262 - 265، ويونس، السلوك الإنساني، ص 377 - 379، وعبد الرحيم، علم النفس التربوي، ص 249.

(9) انظر: عبد الرحيم، علم النفس التربوي، ص 249، و الرفاعي، الصحة النفسية، ص 264 - 265.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت