قول الكاساني الحنفي:"وإن كان يعرض له ذلك - أي الشك - كثيرًا، لم يلتفت إليه؛ لأن ذلك وسوسة" [1] .
والمالكية يعبرون عن الموسوس (كثير الشك) بمُسْتَنْكَح الشك، جاء في الفواكه الدواني: والمستنكح هو الذي يكثر الشك منه؛ وذلك بأن يشك كثيرًا - أي زمنًا كثيرًا - أن يكون سها زاد أو نقص، والحال أنه لا يوقن بشيء يبني عليه [2] .
وأما الضابط الذي يُعرَف به المستنكح عندهم، فقد قال يوسف بن عمر:"إذا كان يطرأ له في كل وضوء، أو في كل صلاة، أو يطرأ له ذلك في اليوم مرتين أو مرة، وإن لم يطرأ له ذلك إلا بعد يوم أو يومين أو ثلاثة، فليس بمستنكح؛ فالاستنكاح محنة وبليّة" [3] .
وقال الأجهوري:"فظهر لي أن الذي ينبغي أن يجري في مسألة الشك ما جرى في مسألة السلس، فإذا زاد من إتيانه على زمن عدم إتيانه أو تساويا، فهو مستنكح، وإن قل زمن إتيانه، فليس بمستنكح، وليس المراد بزمن إتيانه الوقت الذي يحصل فيه، بل جميع اليوم الذي يحصل في بعض أوقاته يعد يومًا، فيوم انقطاعه هو الذي لا يحصل شيء من ذلك بجزء من أجزائه، فإذا أتاه يومًا أو أتاه يومين ولم يأت يومًا، فمستنكح، فإذا أتاه يومًا وانقطع عنه يومين، فليس بمستنكح، بل الذي تقتضيه الحنيفية السمحة أن المراد بالمستنكح ما يشق معه الوضوء في الشك في الوضوء، وفي الصلاة ما تشق معه الصلاة؛ لأنه لا يلفق شك الوضوء إلى الشك في الصلاة" [4] .
ومعنى لا يلفّق شك الوضوء إلى الشك في الصلاة أي"ولا يُضَمُّ شكٌّ في المقاصد كالصلاة إلى شكٍّ في الوسائل كالوضوء، فإذا كان يأتيه يومًا في الصلاة، وآخر في الوضوء، نقض" [5] ،"وأما الشك في الوسائل، فيضم بعضه لبعض، فإذا أتاه الشك يومًا في الغُسْل، ويومًا في الوضوء، فلا نقض، والحاصل أن الطهارة كلها شيء واحد، فيضم الشك في الوضوء للشك في الغسل والنجاسة، وكذا العكس" [6] .
والمعنى السادس هو الذي سيركز عليه هذا الكتاب، وهو ما يعرف بالوساوس القهرية الدينية المرضية، لكن تجدر الإشارة إلى أن الفرع (أ) من المعنى السادس يحتاج إلى تفصيل؛ فالوسوسة قد تطلق ويراد بها التشدد في الدين، وهو خلاف مرض الوسواس القهري الديني كما سيأتي، وقد يكون التشدد في الدين أحد الأسباب الموصلة للإصابة بمرض الوسواس القهري الديني، لكن هذا لا يعني بحال من
الأحوال أن المتشدد في الدين والمريض بالوسوسة سواء، والذي دعاني إلى هذا التفصيل أن ابن قدامة وابن القيم عدّا وساوس المصابين بمرض الوسواس القهري من باب التشدد في الدين، وذكر ابن القيم شُبَه الموسوسين الناتجة عن المبالغة في الاحتياط والورع، وردّ عليها في كتابه إغاثة اللهفان.
(1) بدائع الصنائع، 1/ 33.
(2) انظر: النفراوي، 1/ 224.
(3) الحطاب، مواهب الجليل، 2/ 20
(4) النفراوي، الفواكه الدواني، 1/ 224.
(5) الدردير، الشرح الكبير، 1/ 123.
(6) الدسوقي، حاشية الدسوقي، 1/ 123.