الشراء تورقًا لن ترجع للبائع حيث إن شرط بيع التورق ألا يبيع المشتري السلعة على من باعها عليه فإن باعها عليه فهي العينة المحرمة.
فلم يبق من حجج القول بتحريم التورق إلا القصد _ قصد المشتري النقد دون السلعة _ وهذا القصد لا يعتبر سببًا في القول بالتحريم فقد وجه صلى الله عليه وسلم عامله لتحقيق قصد الحصول على الجنيب من التمر بأن يبيع الجمع ويشتري بثمنه جنيبًا ولم يكن هذا القصد مانعًا من صحة هذا التصرف والأخذ بهذا المخرج الصحيح للحصول على تحقق الرغبة وقد وَجِد من بعض فقهاء عصرنا هاجسُ حَذَرٍ من التوسع في الأخذ بالتورق من قبل المصارف الإسلامية ويظهر لي أنه هاجسُ وسواسٍ وإن اعتقد أهله أنه هاجس تقوى وورع.
فما هو المحذور من توسع البنوك الإسلامية في ممارسة الاستثمار عن طريق بيوع التورق، والحال أنها بيوع تُوَفِّر لذوي الحاجات بها تأمين حاجاتهم من النقود، وتقيهم من بلاوي الربا ومضاعفاته، وتيسر لهم الحصول على ما يحتاجونه من سلع ومنافع وخدمات وهم بذلك في الغالب يختارون التورق طريقًا للحصول على النقد بمحض الإرادة والاختيار، لا على سبيل الاضطرار.
وإني لأعجب حتى نهاية العجب من قول بعضهم: إن قلنا بجواز بيع التورق للأفراد ومن الأفراد لتغطية حاجاتهم فلن نقول بذلك للبنوك لأن ذلك هو غايتهم من تكثير نقودهم وليس لهم غاية في السلع وتداولها.
والرد على هؤلاء أليست البنوك شخصيات اعتبارية لها حكم الأشخاص الطبيعيين في مخاطبتهم بأحكام الإسلام في المعاملات المالية.؟ والإسلام لا ينظر في تشريعاته من وجوب وحظر واستحباب وكراهة وإباحة إلى الأشخاص فيفرق بينهم في الحكم فهذا يجوز له ما لا يجوز لأخيه وهذا يحرم عليه ما يصح لأخيه وإنما أحكامه مبنية من حيث الحظر والإباحة والتصحيح والبطلان على وجود مقتضى الحكم فإن كانت المصالح غالبة كان الحكم بالإباحة أو الاستحباب أو الوجوب وإن كانت المضار غالبة كان الحكم بالحظر ومتى كان الحكم جائزًا فهو جائز في حق الأفراد والجماعات بغض النظر عن حال من تعلق به الحكم وقد صحت مجموعة من المعاملات بين المسلمين وغيرهم ولم يكن اختلاف المتعاملين في العقيدة أو الدين أو الاتجاه أو المسلك سببا في تغير الحكم من جواز إلى حظر أو من صحة إلى فساد أو بطلان ما دام الحكم متفقا مع أصول الإسلام وقواعده ونصوصه.
فالتورق ما دام جائزًا في حكم الأفراد ومن الأفراد لتغطية حاجاتهم من النقود فلماذا لا يجوز في حق البنوك والمؤسسات المالية؟ بل قد يكون جوازه في حق البنوك آكد لأنه بديل عن الربا الذي هو محل نشاطهم ومثار قلق بعضهم من ممارسته وتشوفهم إلى بديل عنه. وفي نفس الأمر بيع التورق بيع صحيح مستكمل جميع أركانه وشروطه ومنتفية عنه