وليست البيعة الثانية من البيعة الأولى بسبيل" [1] . فقد ذهب الشافعي -رضي الله عنه- ليس لجواز التورق فقط وإنما للعينة أيضا بإجازته أن تباع لبائعها بثمن أقل، ولعل الشافعي نظر هنا لشكلية العقد وليس لجوهره."
رابعا: الحنابلة:
المذهب الوحيد الذي نص صراحة على التورق بمعناه الفردي هو المذهب الحنبلي ونسب للإمام أحمد -رحمه الله- القول بجواز التورق، وورد عن أصحابه كذلك القول بالجواز وهو القول المعتمد في المذهب، قال المرداوي في الإنصاف:"لو احتاج إلى نقد، فاشترى ما يساوي مئة بمئة وخمسين، فلا بأس. نص عليه، وهو المذهب، وعليه الأصحاب، وهي مسألة التورق" [2] .
بعد استقراء ما جاء به المجيزون من أدلة وجدتها تدور حول ما يلي:
الدليل الأول: أمره يدور على الإباحة لعدم وجود نص يحرمه:
واستدل هؤلاء بأن التحريم بحاجة لنص صريح ولا يوجد في القرآن ولا صحيح السنة هذا النص، واستندوا بقول الله تعالى:"وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ" [3] ، وقوله تعالى:"وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ" [4] ، وقوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ" [5] ، ولأن الأصل هو أنه لا تحريم إلا بنص فيبقى أمر التورق على الإباحة.
ولأن النظر للمعاملات النظر للمعاني وليس كالعبادات التعبد فيكتفى كما قال الشاطبي في الموافقات بعدم المنافاة:"لأن الأصل في العبادات التعبد، دون الالتفات إلى المعاني، والأصل فيها أن لا يُقدم عليها إلا بإذن، إذ لا مجال للعقول في اختراع العبادات، وما كان من المعاملات يُكتفى فيه بعدم المنافاة، لأن الأصل فيها الالتفات إلى المعاني دون التعبد، والأصل فيها الإذن حتى يدل الدليل على خلافه" [6] .
فلعدم وجود النص على التحريم صار الأمر على الإباحة.
(1) الأم 3/ 69.
(2) الإنصاف لمعرفة الراجح من الخلاف 11/ 195، وانظر مطالب أولي النهى 3/ 61، شرح منتهى الإرادات، للبهوتي 2/ 158، كشاف القناع 3/ 175.
(3) البقرة: 275.
(4) الأنعام: 119.
(5) النساء: 29.
(6) الموافقات 1/ 284.