قال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله [1] : فلا يظن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوصى بهذه الآيات وصية خاصة مكتوبة، لكن ابن مسعود يرى أن هذه الآيات قد شملت الدين كله , فكأنها الوصية التي ختم عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبقاها لامته أ. هـ
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ اَلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى حِمَارٍ، فَقَالَ لِي: (( يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اَللَّهِ عَلَى اَلْعِبَادِ؟ وَمَا حَقُّ اَلْعِبَادِ عَلَى اَللَّهِ؟ ) ). قُلْتُ: اَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ , قَالَ: (( حَقُّ اَللَّهِ عَلَى اَلْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ , وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا , وَحَقُّ اَلْعِبَادِ عَلَى اَللَّهِ أَنْ لا يُعَذِّبَ مَنْ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ) ). قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، أَفَلا أُبَشِّرُ اَلنَّاسَ؟ قَالَ: (( لا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا ) ). أَخْرَجَاهُ فِي اَلصَّحِيحَيْنِ.
تخريجه: متفق عليه.
والشاهد: قوله (حق الله على العباد: أن يعبدوه , ولا يشركوا به شيئًا) وهذا هو التوحيد.
وهذا الحق لم يوجبه أحد على الله , بل هو حق كتبه الله على نفسه تفضلًا , وتكرمًا , وإحسانًا، وهو مستحَق لا محالة، قال تعالى (وعد الله لا يخلف الله وعده) .
قال ابن تيمية: كون المطيع يستحق الجزاء، فهو استحقاق إنعام وفضل من الله , ليس استحقاق مقابلة كما يستحق المخلوق على المخلوق أ. هـ
وما أحسن ما قيل: ما للعباد عليه حق واجب ... كلا و لا سعي لديه ضائع
إن عُذبوا فبعدله، أو نُعموا ... فبفضله، وهو الكريم الواسع
وفي هذا الحديث فوائد , منها:
1.تواضع النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كان يركب الحمار. وهذا الحمار جاء عند البخاري أن اسمه (عُفير) .
وقيل: إن المقوقس أهداه للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ومات هذا الحمار في حجة الوداع.
2.استحباب البشارة لما فيها من إدخال السرور على نفس المسلم، وهو من المطالب الشرعية العالية.
3.جواز كتمان العلم إذا خيف من إظهاره فتنة , أو سوء فهم.
ولذلك قال الإمام مالك: لا يسمى عالمًا من حدث بكل ما سمع.
ولذا بوب البخاري في صحيحه: باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية ألا يفهموا.
وذكر أثر علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون , أتحبون أن يكذب الله ورسوله.
وعند مسلم عن ابن مسعود قال: ما أنت محدثًا قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.
قال ابن حجر: وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة , وظاهره في الأصل غير مراد , فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب.
وقال الذهبي: يجوز كتمان بعض الأحاديث التي تحرك الفتن.
ولذا أنكر الحسن البصري على أنس بن مالك حين حدث الحجاج بحديث العرنيين.
(1) إذا أطلقت لفظ (شيخنا) فمرادي الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله رحمة واسعة , وجزاه عني , وعن المسلمين خير الجزاء.