فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 218

لأنها جزء منه. و بما أنه مخلوق لله تعالى، و ليس هو الذي خلق نفسه، فهو بذاته و أفعاله مخلوق لخالقه. فلا يُعقل و لا يصح أن يصبح المخلوق خالقا لذاته وأفعاله. فالعبد يعمل و يتحرك على أنه مخلوق بذاته و أفعاله، لا على أنه خالق لذاته، و لا لأفعاله.

و أما أعماله التي تصدر عنه فهي جزء من مكوناته كمخلوق مُكلف و مسؤول عن نفسه و أعماله، و له القدرة على الفعل و الحركة. فهو يعمل و يفعل و يكسب حقيقة، و هو المسؤول عن ذلك لكن لا يصح وصفه بأنه يخلق و خالق لأفعاله. فلو كان خالقا ما كان مخلوقا أبدا، و بما أنه مخلوق فلا يصح وصفه بأنه خالق لأعماله، و لو تجاوزا. فالصحيح إذن هو أن الإنسان يفعل، و يعمل، و يُوجد، و يكسب، و يصنع، و لا يخلق شيئا.

علما بأنه لا يصح نفي القضاء و القدر و المشيئة الإلهية المهيمنة على الكون لإثبات حرية الإنسان و خلقه لأفعاله كما يفعل المعتزلة. لأن هذا الأمر سبق أن تناولناه في المبحث السابق و بينا خطأ المعتزلة في موقفهم من الإرادة الإلهية، ومن دخول قبائح البشر في القضاء و القدر. لأن حرية الإنسان أمر ثابت شرعا و عقلا، و هي داخلة في قضاء الله و قدره و مشيئته، و هو الذي جعل الإنسان حرا مُخيرا في جانب من حياته. فلا يصح نفي القضاء و القدر لإثبات حرية الإنسان، ولا للقول بأنه يخلق أفعاله. فهو مع أنه مخلوق لله بذاته و أفعاله فإنه مُخير و حر في جانب من حياته، و ممارسته له لا يجعله خالقا لأفعاله، لأنه يعمل و يسعى و يجتهد، و يكسب و يفعل حقيقة من دون أن يخلق أعماله.

و أما شرعا فإن الله تعالى لم يصف أفعال البشر العادية بأنها عمليات خلق، و إنما وصفها بأنها أعمال، و كسب، و أفعال، و عليها يُحاسبهم يوم القيامة، و لا يقول لهم: بما كنتم تخلقون، و إنما: بما كنتم تعملون، و بما كسبت أيديكم ... . كقوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} التوبة 105 - ، لم يقل لهم: و قل اخلقوا. و قوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} المائدة 105 - ،و {وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} الأعراف 39 - . فلم يقل لهم: بما كنتم تخلقون. و قوله سبحانه وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت