للنصوص الشرعية. فما تفاصيل ذلك؟، و ما هي مظاهر جنايتهم على الشرع و العقل فيما يخص تلك المواضيع؟.
تبنى المعتزلة آراءً تتعلق بالقضاء و القدر و المشيئة الإلهية خالفوا بها الوحي الصحيح، و العقل الصريح، و الفهم الصحيح، أذكر منها طائفة من خلال نماذج من أقوال علمائهم.
منها قول يحيى بن الحسين الزيدي المعتزلي (ق: 3 هـ) قال منتقدا مخالفيه من أهل السنة و غيرهم: (( فزعموا أن الله شاء شيئا و نهى عنه، و أراد شيئا و منع منه، و أنه أرسل رسله إلى جميع خلقه يدعوهم إلى أمر قد منعهم منه ... ) ) [1] .
و أقول: هذا نموذج عن سوء فهم المعتزلة لموضوع الإرادة و المشيئة و الهداية و الضلال، و القضاء و القدر، بسب انحرافهم عن الشرع، و تقديم ظنونهم و خلفياتهم المذهبية عليه، و نفيهم للصفات الإلهية و تأويلهم الفاسد لها.
فواضح من قوله أولا أنه يُشهر بالذين قالوا بخلاف رأيه كأهل السنة من جهة؛ و لا أدري هل أنه لم يفهم مقصودهم، أو أنه تعمد ذكر ذلك عنهم بتلك الطريقة لغاية في نفسه من جهة أخرى. فإذا كان لم يفهم مقصودهم الصحيح من ذلك، فهذا نقص كبير في علمه، و شاهد على أنه لم يكن من الراسخين في العلم. و إذا كان فَهِمَه و أنكره انتصارا لمذهبه الاعتزالي، فهذه انحراف كبير عن الشرع و العقل، و ليس من سلوك العلماء النزهاء المحايدين. وهو بهذا يكون رد الشرع قبل أن يرد قول أهل السنة.
و ثانيا إن تفصيل ما أنكره عليهم، و بيان بطلان زعمه يتمثل في أنه قد قام الدليل الشرعي القطعي بأن كل أفعال الإنسان مسبوقة و محكومة قضاءً و قدرا بالمشيئة الإلهية، و لا يُمكنها أن تتجاوزها و لا أن تخرج عنها، لقوله سبحانه: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} الإنسان 30 - ، و {مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} الأنعام 111 - ،و {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} المدثر 56 - ،و وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَن
(1) يحيى بن الحسين: الرد على المجبرة و القدرية، ضمن رسائل العدل و التوحيد، تحقيق محمد عمارة، ط 2، دار الشروق، القاهرة، 1988، ج 2 ص: 30.