و قوله هذا شرحه الشهرستاني، فذكر أن موقف المعتزلة أصله من القدرية الذين سبقوهم، ثم أشار إلى موقف واصل بن عطاء فقال: (( وإنما سلكوا في ذلك مسلك معبد الجهني وغيلان الدمشقي. وقرر واصل بن عطاء هذه القاعدة أكثر مما كان يقرر قاعدة الصفات فقال: إن الباري تعالى حكيم عادل لا يجوز أن يضاف إليه شر ولا ظلم، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر، ويحتم عليهم شيئا ثم يجازيهم عليه. فالعبد هو الفاعل للخير والشر، والإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، وهو المجازى على فعله، والرب تعالى أقدره على ذلك كله. وأفعال العباد محصورة في الحركات والسكنات والاعتمادات والنظر والعلم. قال: ويستحيل أن يخاطب العبد ب: افعل، وهو لا يمكنه أن يفعل، وهو لا يحس من نفسه الاقتدار والفعل، ومن أنكره فقد أنكر الضرورة واستدل بآيات على هذه الكلمات ) ) [1] .
و قال المُحسن الجشمي المعتزلي: (( مسألة في أن الله تعالى لا يفعل القبيح. عندنا: يقدر على القبيح ولا يفعله، وعند المجبرة: يفعله ولا يقبح منه، وعند النظام: لا يقدر على فعل القبيح، وقد ثبت أنه قادرٌ لذاته فلا جنس إلا وهو مقدورٌ له، ولأن القبيح من جنس الحسن، فإذا قدر على الحسن قدر على القبيح ) ) [2] .
و قال القاسم الرسي الزيدي المعتزلي (ق: 3 الهجري) : (( فقال لا شريك له: {ليس على الأعمى حرج ولا على المريض حرج} [النور:61] . لأنهم لا يقدرون أن يؤدوا ما فرض الله عليهم، ولم يقل جل ثناؤه: ليس على الكافر حرج، ولا على الزاني حرج، ولا على السارق حرج. وذلك أنه لم يفعل ذلك بهم، ولم يدخلهم فيه، ولم يقض ذلك ولم يقدره، لأنه جور وباطل. والله جل ثناؤه لا يقضي جورًا، ولا باطلًا ولا فجورًا، لأن المعاصي كلها باطل وفجور، والله تعالى أن يكون لها قاضيًا ومقدرًا، بل هو كما وصف نفسه، جل ثناؤه إذ يقول: {إن الحكم إلا لله يقضي بالحق وهو خير الفاصلين} [الأنعام:75] . بل قضاؤه فيها كلها النهي عنها، والحكم على أهلها بالعقوبة والنكال في الدنيا والآخرة، إلا أن يتوبوا فإنه يقبل التوبة ويعفو عن السيئات ) ) [3] .
و ذكر يحيى بن الحسين الزيدي المعتزلي أن كلا من العقل و الواقع يشهدان على خطأ القائلين بقضاء الله و قدره لأفعال العباد، و أنهما يشهدان على صحة موقف المعتزلة. فقال: (( ومن أكبر الحجج عليه ما يصح ويثبت عند أهل النُّهى أنهم زعموا أن جميع ما في الأرض من خير أو شر الله قضاه وأراده وشاءه وقدره. وفي الأرض من يقول: إن الله ثالث ثلاثة، وأن له سبحانه ولدًا وصاحبة؛ ومنهم من يقول: إنه لا رب ولا خالق، وأن الأشياء لم تزل كذا: ليل ونهار، وشمس وقمر، وسماء وأرض، ومطر وصحو، وموت وحياة؛ ومن ينكح أمه وابنته و آخته وعمته، وكل ذي رحم محرم عليه، ويأتي كل قبيح من الفعل رديء، ويغشى الفواحش ما ظهر منها وما بطن؛ ويقول: إن ذلك من الله ومن قضائه وإرادته ومشيئته، وأن كل عامل عمل منه شيئًا فبأمر الله ورضاه وإرادته. فيا سبحان الله!! ما أعجب هذا من قول وأشنعه! وأحمق من زعم أن أحدًا ما يعمل شيئًا مما ذكرنا لله عاص! وما أجهل من ذكر المعصية! ) ) [4] .
و (( كيف تكون المعصية عندهم؟ ومن صلَّى ومن زنا كلاهما مطيع لله؛ قضى لهذا بالصلاة، وقضى على هذا بالزنا. فكل من عمل شيئًا من الأشياء حسنًا أو قبيحًا، إيمانًا أو كفرًا، أو غيرهما من الأشياء كلها ففاعل ذلك الشيء مؤد لأمر الله وقضائه، مستعمل نفسه في أداء مشيئته وإرادته. فليس على وجه الأرض عاص، ولا تعرف المعصية من الطاعة، ولا يعرف من يقع عليه اسم الطاعة، ولا اسم المعصية، ولا من يستحقه ) ) [5] .
و (( كيف يكون من سعى في إرادة الله عاصيًا؟! لا يُعرف هذا الكلام في شيء من لغة العرب ولا العجم، ولا اسم المعصية التي ذكرها الله في كتابه، وسمى قومًا عصاة، وسمى من عمل به عاصيًا، وبطل كل ما جاء في الكتاب من ذكر ذلك، على قولهم وقياسهم، و كل ما جاء لغير معنى؛ إلا أن تكون المعصية غير هذه الأشياء كلها التي نعرفها ونعقلها، مكنونة عند الله لم يبينها لنا، ولم يشرحها ولم يدلنا عليها؛ غير أنه قد حذرنا
(1) الشهرستاني: الملل و النحل، ج 1، ص: 45.
(2) المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول، ص: 83.
(3) القاسم الرسي: كتاب العدل و التوحيد، و نفي التشبيه عن الله الواحد الحميد، ضمن: رسائل العدل و التوحيد، تحقيق محمد عمارة، ط 2، دار الشروق، القاهرة، 1988، ص: 139.
(4) يحيى بن الحسين: الرد على المجبرة و القدرية، ج 2، ص: 54.
(5) نفسه، ج 2، ص: 54.