فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدا سورة الكهف: 23 - 24 - ، فهي إرادة محكومة بالإرادة الكونية و لن تستطيع أن تفلت منها و لا أن تخالفها كما استطاعت أن تخالف الإرادة الثانية. و لهذا قيل: عبدي أنت تريد، و أنا أريد، و لا يكون إلا ما أُريد.
علمًا بأنه إذا كانت إرادة الإنسان في طاعتها للأمر و النهي أو مخالفتهما تستطيع أن تقول: نعم، أو لا. فإنها من جهة أخرى هي نسبية لها مجال مُحدد تعمل فيه، و ليست مُطلقة تفعل ما تشاء. و إنما هي أيضا محكومة بالإرادة الكونية التي يأتي منها الإذن و الموافقة على الحدوث من عدمه. و هذا هو الذي نسيه المعتزلة أو تناسوه في موقفهم من الإرادة الإلهية بنوعيها.
و منها أيضا أقوالهم المتعلقة بنفيهم دخول أفعال البشر الشريرة و القبيحة في قضاء الله و قدره و مشيئته لها. فقد أجمعت المعتزلة على أن الله تعالى (( عدلا حكيما لا يفعل القبيح و لا يُريده ) ) [1] . فأفعاله سبحانه كلها حسنة، و أنه لا يفعل القبيح، و لا يُخِل بما هو واجب عليه، فهذا من العدل عندهم [2] . و ما يوجد من قبائح في الكون ليس من فعل الله تعالى [3] .
و من ذلك أيضا أنه رُوي أن كبير المعتزلة واصل بن عطاء دخل على الوالي الأموي فقال له: (( بلغني أنك قلت قولا فما هو؟ قال: أقول يقضي الله الحق ويحب العدل، قال: ما بال الناس يكذبونك قال: يحبون ان يحمدوا أنفسهم ويلوموا خالقهم، قال: لا ولا كرامة ألزم شانك ) ) [4] .
و روى القاضي عبد الجبار أن (( واصل بن عطاء رد على جعفر الصادق الذي اتهمه بالابتداع في الدين و تفريق الكلمة. فرد عليه واصل بقوله: (( الحمد لله العدل في قضائه، الجواد بعطائه، المتعالي عن مذموم، والعالم بكل خفي مكتوم، نهى عن القبيح ولم يقضه، وحث على الجميل ولم يَحُلْ بينه وبين خلقه ) ) [5] .
(1) أحمد بن يحيى المرتضي: باب ذكر المعتزلة من كتاب المُنية و الأمل في شرح كتاب الملل و النحل، صححه توما أرنولد، مطبعة دائرة المعارف النظامية، حيدر آباد، الدكن، 1916، ص: 6.
(2) عبد الرحمن بدوي: مذاهب الإسلاميين: المعتزلة الأشاعرة ... دار العلم للملايين، بيروت، 1997، ص: 60.
(3) أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار، و الحاكم الجشمي: فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة، ص: 348.
(4) نفس المصدر، ص: 209 - 240.
(5) نفس المصدر، ص: 239.