المتعلقة بأوامره و ما يحبه و ما لا يُحبه، و ما يرضاه و ما لا يرضاه سبحانه و تعالى، فلا تلازم بين الإرادتين. فلماذا هذا الإصرار عل التسوية بينهما، و عدم التفريق بينهما؟؟!!.
و تفصيل ذلك أولا هو أن كلا من الشرع و الواقع يشهدان على أن الله تعالى خلق هذا العالم بإرادته و مشيئته و قدرته و لم يُشاركه في ذلك أحد. فكان من مخلوقاته الإنسان، خلقه الله تعالى ولم يكن له -أي للإنسان-اختيار في وجوده، و ليس هو الذي جعل نفسه مُسيرة في جوانب من ذاته، و لا هو الذي جعلها مُخيرة في جوانب أخرى. فالإنسان مُجبر على أنه مخلوق، و مُجبر على أنه مُجبر في جوانب من ذاته، و مُجبر على أنه مُسيّر في جوانب أخرى، و لن يستطيع تغيير حاله هذا أبدا. و هذا كله يتعلق بالإرادة الإلهية المُطلقة، فالله تعالى هو الذي شاء أن يخلقنا على هذا الحال من دون اختيار منا أبدا. و هذه هي الإرادة الإلهية الكونية النافذة التي لا تُرد و لا يُمكن مخالفتها.
و ثانيا إن كلا من الشرع و الواقع يشهدان على أن الله تعالى إذا كان لم يستشيرنا و لا أعطى لنا اختيارا في خلقه لنا، و فرض علينا إرادته الكونية بقدرته و حكمته و جبروته كما فرضها على العالم بأسره، فإنه سبحانه خاطبنا بإرادة أخرى تتعلق بالجانب الاختياري من حياة الإنسان. فأخبرنا سبحانه أنه خلقنا لعبادته، و لم يفرضها علينا فرضا عمليا قهريا، و إنما فرضها علينا فرضا أمريا يتعلق بما يُحبه و يرضاه، وأعطى لنا حرية الاختيار، فمن آمن و عمل صالحا أحبه و رضي عنه و أدخله الجنة، و من كفر و عصاه أبغضه و غضب عليه و أدخله جهنم خالدا فيها. فهذه الإرادة هي إرادة الله تعالى الشرعية الدينية المتعلقة بحرية الإنسان يستطيع أن يُخالفها و لا يلتزم بأوامرها، لكنه لن يستطيع أن يُخالف الإرادة الأولى - الكونية- التي قهر بها الله تعالى العالم بأسره. و هذا معنى قوله تعالى: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} الإنسان 30 - ،، فإرادة الإنسان تستطيع أن تخالف أرادة الله الشرعية الدينية المتعلقة بأوامره و نواهيه، لقوله تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} الكهف 29 - ، لكنها لن تستطيع مخالفة الإرادة الكونية العامة المتحكمة في كل شيء. منها إرادة الإنسان الحرة فهي ليست مُطلقة تفعل كل ما تريد، و الواقع يشهد على ذلك من جهة، و الله تعالى نص عليها بوضوح في قوله سبحانه: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي