فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 218

استجاب و دخل في السلم وفّقه الله و مكّنه، و شاء له ذلك، و من لم يستجب صرفه عنه و شاء له عدم الدخول فيه، ليس لأن الله تعالى هو الذي منعه، و إنما عندما هو امتنع من الدخول فيه عاقبه الله تعالى بصرفه عنه و شاء له ذلك. فأين الإشكال هنا؟؟!!. و من الذي لم يفهم عن الله تعالى الفهم الصحيح أهل السنة أم المعتزلة؟؟.

و يُمكن توضيح ذلك بمثال يُبين أن المشيئة قد تكون موافقة لما يحبه الإنسان مثلا، و قد لا تكون موافقة لما يُحبه، مما يدل على أن المشيئة أعم مما يُحبه الإنسان و يرضاها، و مما لا يُحبه و يرضاه. فمن ذلك الجمع بين مشيئة شيء و إرادته مع عدم محبة حدوثه و الرضا عنه. مثاله أن مدير مدرسة عنده ولده يدرس عنده، لكنه تلميذ كسول لا يعمل، و مُهمل لدروسه، لكن والده المدير مُنضبط و مُلتزم بالقانون ألزم نفسه إدارة مؤسسته بعدل و شفافية من دون محاباة أحدٍ. و مع أن هذا المدير قادر على مساعدة ابنه بطريقة أو أخرى على الانتقال إلى الصف الثالث مثلا، و هو يُحب أن ينتقل ابنه، و لا يرضى له الرسوب، و لا يُشرّفه رسوبه، لكنه مع ذلك وافق على رسوبه، و أراده له و أصر على تنفيذه. فهذا المدير شاء أمرا و نفّذه مع أنه لا يُحبه و لا يرضاه من جهة، لكنه نفّذه التزاما بالعدل و النزاهة، و اعترافا بفشل ابنه، و عقابا له من جهة أخرى.

و من أقوالهم أيضًا قول محمود الزمخشري: (( والحكيم الغني العالم بقبحها، العالم بغناه عنها متعال أن يفعلها أو يريدها أو يرضاها أو يأمر بها علوًّا كبيرًا؛ ولأن الله أمر بالخير ووعد عليه الثواب العظيم، ونهى عن الشر وأوعد عليه العذاب الشديد، وأرسل بذلك الرسل، وأنزل الكتب، وأقام الحجج، فلو كانت هذه أفعاله لكان ذلك عبثا وخروجا عن الحكمة ) ) [1] .

و أقول: كلامه هذا يتضمن نفس كلام المعتزلي السابق، في عدم التفريق بين الإرادة الإلهية الشرعية المتعلقة بالعبادة و حرية الإنسان، و إرادته الكونية القهرية المهيمنة على المخلوفات و أفعالها. فلا أدري هل هذا الرجل أخطأ في الفهم، أو أنه لا يعي ما يقول، أو أنه تعمد قول ذلك لغاية في نفسه؟؟!!. لأن كلا من الشرع و العقل يشهدان على ضرورة التفريق بين الإرادة الكونية المًهيمنة على العالم، و الإرادة الشرعية

(1) الزمخشري: المنهاج في أصول الدين، ص: 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت