لهم الكفر من باب التقدير الكوني، و حرمهم من الإيمان من باب التدخل لعقابهم. فالله تعالى فرض على الإنسان عبادة خالقه و أمره بها، فلما لم يلتزم بذلك حرمه من الإيمان و عاقبه على عصيانه. فأين الإشكال هنا؟؟. إن الأمر واضح لا إشكال فيه.
و أخيرا- رابعا- إن الله تعالى أرسل رسله مُبشرين و مُنذرين، فمن آمن و أصلح هداه و لم يمنعه من إتباع الرسل. و من كفر بهم و اتبع هواه أضله الله تعالى، و منعه من إتباع الرسل. فهو سبحانه لم يمنعه ابتداءً، و إنما منعه بعدما عصى و أبى إتباع الوحي الإلهي. و هنا قد استخدم الله تعالى إرادته الشرعية مع بني آدم، لأن الأمر يتعلق بالعبادة التي كُلّف بها الإنسان من جهة، و له فيها حرية التصرف في الطاعة أو العصيان من جهة أخرى. قال تعالى: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ} إبراهيم 27 - ،و {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ} غافر-74 - ، و {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَ} - سورة الليل: 5 - 10 - .
ثم أن الرجل قال أيضا: (( وأما قوله: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَآفَّةً} [البقرة:208] ، يعني بكافة: جميعًا، فإذا كان أمره للجميع فكيف يدخل قوم في السلم قد أدخلهم فيه؟ وكيف يأمر قومًا بالدخول فيه، وقد منعهم؟ هذا فعل متلعب عباث، لا ينفذ له أمر في شيء مما يأمر به، ولا مما يريده، فتعالى الله عن ذلك أحكم الحاكمين ) ) [1] .
و أقول: اعتراضه هذا لا يصح، لأنه لم يُفرق بين إرادة الله تعالى المتعلقه بأمره و نهيه في شريعته و المتعلق بالجانب ألاحتياري من الإنسان، و بين إرادة الله و مشيئته المتعلقة بالجانب الكوني القهري الذي ليس للإنسان فيه اختيار. و هذا قد نص عليه الشرع في آيات كثيرة كما سبق أن بيناه. و عليه فإن اعتراضه مُتهافت و لا يصح، لأن الله تعالى عندما أمر الناس بالدخول في السلم كافة أمرهم أمر اختيار لا جبر فيه، من جهة و هو مُتعلق بالجانب الاختياري من حياتهم، فيُمكنهم عدم طاعته من جهة أخرى. فهو أمر لا قهر فيه، و يُشبه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة 21 - . فمن
(1) يحيى بن الحسين: الرد على المجبرة و القدرية ج 1،، ص: 33.