المتشابهة، و لم يتأولوها على ما يُوافق دليل العقل و الآيات المُحكمة [1] . و الحقيقة أن هذا التعليل لا يصح، لأن التشبيه هو أن تُشبه الله تعالى بمخلوقاته في ذاته و صفاته كما فعل المُشبهة، و ليس هو إثبات الصفات لله تعالى كما يعتقد المعتزلة، الذين نفوا عنه الصفات بدعوى عدم التشبيه. فكل من الطرفين أخطأ في فهمه لمعنى التشبيه، و يجب أخذ المعنى الصحيح للتشبيه من الشرع الصحيح أولا، و من العقل الصريح الموافق له ثانيا. و الله تعالى قد حدد المعنى الصحيح للتنزيه و التشبيه في قوله سبحانه: {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} الشورى 11 - . فالتشبيه هو أن نُُشبّه الخالق بمخلوقاته في ذاته و صفاته، و ليس هو أن تُثبت لله صقاته التي أثبتها لنفسه بلا تجسيم، و لا تشبيه، و لا تعطيل، و لا تكييف.
و ليس صحيحا أن آيات الصفات مُتشابهة، فيجب تأويلها كما زعم المعتزلة. فهذا زعم باطل جملة و تفصيلا، لأنه سبق أن بينا أنه آيات الصفات ليست من المتشابه، و لا يصح تأويلها بالتأويل التحريفي الذي قال به المعتزلة، لأن هذا التأويل باطل في معناه و تطبيقاته، كما سبق أن بيناه. و بذلك يتبين أن السبب الأساسي في ظهور التشبيه عند المُشبهة، و التأويل التحريفي عند المعتزلة هو عدم إلتزام هؤلاء بالمفهوم الشرعي لمعنى التشبيه و التنزيه، و ليس ما ادعاه المعتزلة، الذين جمعوا بين نفي الصفات و مُمارستهم للتأويل التحريفي، فوقعوا في التعطيل و التشبيه.
لذلك أُلحق المعتزلة بالمُشبهة، فسًموا بمُشبهة الأفعال. و فيهم يقول الشيخ تقي الدين بن تيمية: (( ولكن المعتزلة ونحوهم ومن وافقهم من الشيعة النافين للقدر يوجبون على الله من جنس ما يوجبون على العباد ويحرمون عليه ما يحرمونه على العباد، ويضعون له شريعة بقياسه على خلقه فهم مشبهة الأفعال ) ). فهم مُشبهة الأفعال لأنهم (( قاسوا أفعال الله على أفعال خلقه وعدله على عدلهم وهو من أفسد القياس ) )، و لأنهم (( يأخذون القدر المشترك في الأفعال بين الله وبين عباده فما حَسُن من الله حَسُن من العبد، وما قَبُح من العبد قَبُح من الله. ولهذا سماهم الناس مشبهة الأفعال، ولاشك أن هؤلاء هم المتكلمة المذمومون عند السلف لكثرة
(1) أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار، و الحاكم الجشمي: فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة، ص: 149.