فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 218

و لا معنى لمقولة: الصفات عين الذات، أو زائدة على الذات. لأن الحقيقة هي أن الله تعالى مُتصف بصفات الكمال، و لا يصح بعد هذا الخوض في حكاية عين الذات، أو زائدة على الذات. لأن الأصل هو أنه لا ذات دون صفات، و أن الصفات تابعة للذات بالضرورة.

و أما إذا لم يكن الله تعالى مُتصف بتلك الصفات، فهذا يتفق مع موقف المعتزلة في نفيهم أن يكون الله متصفا بصفات حقيقية، لكنه لا يتفق مع قولهم: الصفات عين الذات، لأن قولهم هذا يحمل إثباتا لها لا نفيا، فهو واضح بأنه أثبت الصفات و لم ينفها. فالقوم مُتناقضون و مُغالطون في موقفهم من الصفات الإلهية!!.

و خامسا تبين من مواقف المعتزلة من الصفات الإلهية، أن من أصولهم الفاسدة و الخطيرة و المخالفة للشرع و العقل أنهم يستخدمون عبارة: إن الله ليس محلا للحوادث [1] ، لنفي ما أثبته الشرع لله تعالى و يقول به العقل الصريح، يستخدمونها بطريقة تغليطية تلبيسية، و يُطبقونها في غير محلها. نعم إن الله سبحانه و تعالي ليس محلا للنفائص ولا للفساد، بحكم أنه سبحانه الخالق العظيم الحي الذي لا يموت، و المُتصف بكل صفات الكمال، و له الأسماء الحسنى و الصفات المُثلى. لكن الذي تبين لي من مقصود المعتزلة من تلك المقولة أنهم يقصدون بها أساسا إنكار قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى. و هذا موقف باطل مُخالف للشرع و العقل و الواقع.

فأما شرعا فإن الله تعالى كما وصف نفسه بأنه حي لا يموت، و هو الأول و الآخر، و المُتقدم و المتأخر، و الأحد الصمد الذي لم يلد و لم يُولد، فإنه سبحانه قد وصف نفسه بأنه يفعل ما يشاء و يختار، و متى أراد، و كيفما يُريد. قال سبحانه: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} القصص 68 - ،و {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} هود 107 - ،و {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} البروج 16،و {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} الحج 14 - ،و {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} النحل 40 - ،و {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} البقرة:30 - . فواضح من ذلك أن الله تعالى فعال لما يريد، و

(1) المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول، ص: 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت